|
الدور المحوري للأردنّ في الشرق الأوسط
تتفق غالبية البحوث والدراسات في شئون الشرق الأوسط على أن للأردنّ دوراً محورياً فاعلاً واستراتيجياً في الشرق الأوسط، سواء فيما يتعلق بالسياسة الشرق أوسطية أو العربية الداخلية أو فيما يتعلق بالعلاقات الدولية مع الشرق الأوسط، أو فيما يختص بالقضية الفلسطينية والصراع العربي- الإسرائيلي، ولم يغب الأردن في ثنايا الدراسات وتقديرات الموقف والتحليلات السياسية العالمية عن هذا الموقع عادة. وبرغم ما يحمّل هذا الموقع والوصف المملكة الأردنية الهاشمية من مسئولية فإنه في ذات الوقت يجعل الأردن قبلة سياسية مهمة لكل الفاعلين في المنطقة، بل ويحاول الكثير من الأصدقاء والحلفاء إقناع الأردن أو الطلب منه وأحياناً محاولة الضغط عليه لاتخاذ سياسات محددة تتوافق مع توجهات واستراتيجيات ومصالح طرف أو كتلة ما في المنطقة أو في العالم. وبرغم هذه الإشكالية والثقل الملقى على عاتق صانع السياسة الخارجية والداخلية الأردني إزاءها، غير أنه توصل خلال مائة عام من المحافظة على الدولة الأردنية ودورها وتعزيز استقلالها، وإدارة علاقاتها وتحالفاتها بتوازن مدروس. وقد شهدت مراحل ومحطات التحولات في المنطقة وفي داخل المملكة أثر هذه الإشكالية على الاستقرار والأمن في المملكة وعلى حدودها، والتي صبّت في مجملها ومحصّلتها في تقرير موقعه ودوره وأهميته العربية والشرق أوسطية والدولية، وتمكّن الأردنّ من خلالها من عبور عشرات الأزمات الكبيرة والصغيرة بهذا الخصوص. واليوم، والقوى الدولية النافذة وبعض الإقليمية القوية تحاول أن ترسم ملامح المنطقة وأدوار لاعبيها وفق مصالحها وتوجّهاتها، فإن للمملكة الأردنية الهاشمية أيضاً توجهاتها الداخلية وسياستها الخارجية، ولها مصالحها العليا ومواقفها ومبادؤها السياسية والفكرية، حيث تقف مسائل الإرث التاريخي والإسلام والقدس والقضية الفلسطينية والاستقلال والاستقرار على رأس هذه المصالح والثوابت والتوجهات. لكن هذه السياسات والمصالح والتوجهات قد لا تتوافق مع متطلبات توجهات أطراف أخرى سواء على الصعيد التكتيكي أو الاستراتيجي، بل إن بعضها ربما يريد أن يجرّد المملكة من عناصر قوتها الجيوسياسية الفاعلة والمؤثرة، بما في ذلك عامل الاستقرار السياسي والاجتماعي القائم على توازن القوى الداخلي وتعاونها في حماية البلاد، وذلك لصالح تقدّم أطراف أخرى لأخذ أدوار جديدة على صعيدي السياسة الداخلية والخارجية، بعضها على حساب المملكة من جهة، وضدّ القضية الفلسطينية من جهة أخرى، بل إن بعض الأطراف تتجاوز الحدود بمحاولات التدخل في الشئون الداخلية للمملكة، ومحاولة فرض توجهاتها على القيادة الأردنية ومؤسسات الدولة في التعامل مع قوى سياسية محددة وخاصة الإسلامية منها لاعتبارات تخصّها ولا تتعلق بمصالح الأردن العليا. وثمة توجّهات أخرى إقليمية ودولية تحاول الضغط على المملكة لاتخاذ سياسات وتوجهات ربما تتسبّب بخلخلة القوة الجيوسياسية للمملكة، والمدعومة من قوى المجتمع، وقد تُضعف الأردنّ ومناعته الذاتية، لصالح خدمة أطراف إقليمية لا تصبّ توجّهاتها في مصالح الأردنّ ولا الأمة العربية العليا، وربما تهدف إلى التمدّد بدورها الإقليمي على حساب الأردن في عدد من الملفات، وتسعى بعض الأطراف الأخرى لفرض بعض سياساتها في بلادها على السياسات الأردنية الداخلية، وبما يمسّ النسيج الوطني المتكامل والمستقر في تشكيل قوة المملكة الجيوسياسية. كما يحاول بعض الحلفاء الدوليين الضغط على الأردنّ ليكون دوره في سياق مصالحهم وسياساتهم وتوجهاتهم، وخاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ودعم نضال الشعب الفلسطيني وحقوقه، ومواجهة سياسات إسرائيل العدوانية في فلسطين وعلى دول الجوار العربي والإسلامي، وبمسألة الإسلام ومحاربة الإسلاموفوبيا، بل ويسعى بعض هؤلاء الحلفاء لإحداث خلل في التوازن الداخلي بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية الأردنية من حيث وجودها وطبيعتها ودورها في البلاد، وعلى رأسها التيار الإسلامي السياسي.
ولعل ما جرى من تعامل دوليّ وإقليميّ مع خطة "صفقة القرن" عام 2020، ومحاولات الضغط والتهديد الذي واجهه الأردن حينها من قبل أطراف متعددة يكشف جزءاً من تلك المحاولات المناقضة للمصالح الأردنية، وخاصة فيما يتعلق بالاستقرار والتماسك الذي يمنع قدرة أي طرف على اللعب بالشئون الداخلية الأردنية والإخلال بالنظام والاستقرار والأمن الوطني، وبالوحدة الوطنية وأسسها المتعددة التي سطّرها الدستور والميثاق الوطني.
وبرغم محدودية التقاطع بين هذه المقاربات والرؤى للتحولات والتوجهات الاستراتيجية وللتحولات الجارية، غير أنّ المملكة تجد نفسها مضطرة للسير بقوة وثبات في التعامل مع هذه الإشكالية مستندة في ذلك إلى جبهة داخلية من قوى سياسية واجتماعية وطنية وإلى أجهزة ومؤسسات حكم قويّة، وباتّباع منهج التوازن في اتخاذ السياسات الداخلية والخارجية، ووضع المصالح العليا للأردنّ والقضية الفلسطينية والأمة العربية أساساً للميزان والاختيار في التعامل مع مختلف المتغيرات.
وتأكيداً على ذلك، فإن الرؤية الوطنية الأردنية من قبل مختلف القوى السياسية والاجتماعية، الإسلامية والقومية وغيرها، تسعى إلى تمكين الأردن دولة وشعباً من دور استراتيجي في المنطقة، وتنمية اقتصادية تتجه نحو الازدهار، والتأكيد الدائم على التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية، وتوثيق العلاقة والتعاون بين المجتمع ومنظومة الحكم، كما تحذّر من أطماع المشروع الصهيوني وضرورة مواجهته، وتسعى لحلّ القضية الفلسطينية برؤية وعمق عربي إسلاميّ يستند إلى دعم نضال الشعب الفلسطيني حتى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولته المستقلّة، وهذه جميعاً مسائل استراتيجية داخلية يُجمع عليها الأردنيّون وقيادتهم بثوابت سياسية وفكرية ودينية معلنة.
وفي سياق الوحدة الوطنية والالتفاف الوطنيّ على الثوابت والمصالح العليا للبلاد فقد تقدّم الأردنّ على معظم النماذج العربية في التعامل مع مكوّناته السياسية والاجتماعية في البلاد، بل إن المملكة تمكّنت من اتخاذ منهج مميّز في التعامل مع القوى السياسية والاجتماعية بالمشاركة والاحتواء، وبما يضمن مشاركة الجميع في تحقيق المصالح العليا للبلاد، وتموضع الكلّ الوطنيّ في خندق الوطن وحمايته، وقطع الطريق على أي محاولات خارجية للتدخل في شئونه الداخلية، ما مكّنه من تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية طيلة المائة عام الماضية.
ولذلك، يبدو أنه آن الأوان لتجتمع منظومة الحكم المستقرة في البلاد مع القوى السياسية والاجتماعية لإعادة النظر في عدد من الملفات ذات الصلة بالاستقرار والأمن وحفظ السيادة، وتدعيم الدور الأردني وتماسكه الداخلي، وتمتين سياساته وثوابته الوطنية والعربية والإسلامية، ولتوظيف كافة نقاط القوة التي تملكها المملكة، ولإعادة رسم نسق علاقاتها الخارجية وتحالفاتها الإقليمية والدولية في نفس السياق، ولتحقيق الشراكة الوطنية بعيدا ًعن الإقصاء والحظر والاستبعاد لأيّ قوة وطنية، بغض النظر عن اتجاهها الفكري والسياسي.
وذلك بهدف التوصل إلى سياسات ووسائل فاعلة في حماية البلاد وتعزيز دور المملكة الوطني والعربي والدولي، وتحقيق التماسك في دعم وتشجيع سياسات منظومة الحكم والحكومات والدفاع عنها أمام التحديات الخارجية والداخلية بقوة وقناعة، وبمشاركة كاملة في إدارة البلاد وتحمّل المسئولية في تدعيم نظامها السياسي والديمقراطي النيابي، وإعادة ترتيب الشئون الداخلية لبناء "الجماعة الوطنية" الأردنية من الجميع بعيداً عن بعض الإشكالات السابقة مع أيّ طرف.
* أ. جواد الحمد
|
|
|||
|
|||||
|---|---|---|---|---|---|