|
الاستقرار السياسي والاجتماعي في الدولة العربية الحديثة
يشكّل بناء الاستقرار والحفاظ عليه هاجساً دائماً لمختلف العمليات البشرية، ومنها إدارة الدولة، وقد طُرحت نظريات سياسية واجتماعية عديدة تتناول بالتحليل والدراسة عمليات بناء الاستقرار وعوامل ديمومته، وكذلك عمليات تهديد الاستقرار في دول العالم المختلفة ووفق التجارب البشرية، ومنها الدول العربية، بما في ذلك نظريات التغيير السياسي والاجتماعي ومنها مقدمة ابن خلدون المشهورة. ونظراً للأهمية القصوى التي يشكلها الاستقرار على الوحدة الوطنية والنجاح الاقتصادي وفاعلية الدور الجيواستراتيجي للدولة والمحافظة على قوتها الجيوساسية بين دول المنطقة والعالم، فإن هذا المقال يعالج مسألة الاستقرار في العالم العربي وانعكاسها على مسار بناء الدولة الحديثة المستقرة والفاعلة. تشكّل الأبعاد السياسية والاجتماعية، وإلى حد ما الاقتصادية، عوامل جوهرية في بناء حالة الاستقرار، فيما يرتبط الاستقرار الأمني ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وبرغم أن الدراسات العربية على مدى الستين عاماً الماضية كشفت مكنونات القوة في مقابل مخاطر المشروع الصهيوني وإسرائيل على الدول العربية وأمنها وجودياً، غير أنّ المقاربات لا زالت ترتبط بالخارج، أو بالغرب على وجه الخصوص، في حين أن هذا الغرب هو الذي يمدّ إسرائيل بالقوة والتسلّح والغطرسة حتى وهي تقتل الأطفال والنساء المدنيين العزّل، كما في غزة والضفة ولبنان وسوريا. وقد تعرّض العالم العربي بعد عهود الاستعمار الأوروبي الغابرة، والتي حطّمت الشعوب العربية ونهبت ثرواتها وقسّمت مجتمعاتها، لمحاولات كثيرة لبناء الاستقرار وتحقيق الدور الفاعل للدول المستقلة، واتجهت أدوات هذه الديناميكية إلى استخدامات مختلفة ومتفاوتة، وخضعت في معظمها إلى ثقافة القيادات الحاكمة أو القوى المتنفّذة، ويشمل ذلك الانقلابات العسكرية التي شهدها عقد خمسينيات وستينيات الرقن العشرين، بحجة مواجهة التحديات الخارجية وتنمية المجتمع والدولة. غير أن مختلف هذه المحاولات لم تتمكّن من تحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي المنشود، وعلى العكس من ذلك فإن أغلب هذه التجارب الانقلابية شكّلت عاملاً هدّاماً بدل أن تشكّل عامل بناء في العديد من الحالات، وتسبّبت بجراحات عميقة داخل المجتمع كان بعضها نتيجة سياسات دموية تصفوية للفكر والتوجه الآخر الوطنيّ في البلاد بحجج مختلفة، ليس من بينها الحفاظ على المجتمع والدولة، بل ساد أكثر الأسباب للاعتبارات الشخصية للفئات المتنفّذة التي ترفض الشراكة والمشاركة مع قوى المجتمع الأخرى لتستفرد بمنافع وثروات البلاد وحدها. واليوم، والعالم العربي يشهد من حوله عدداً من الدول القوية التي تملك مشاريع بناء الدولة، ومشاريع النفوذ الإقليمي والدولي، وتبني قوتها الاقتصادية والعسكرية لتكون لها سنداً وحماية، فيما تتمدد في هذه الأرجاء (ومنها العالم العربي) بالنفوذ، حتى إن بعضها تمدّد بالعدوان أحياناً وبالاحتلال أحياناً أخرى كما فعلت إسرائيل مراراً وتكراراً مع العديد من دول العالم العربي والإسلامي، وآخرها مع إيران وسوريا ولبنان واليمن وغزة. كما تشهد دول عربية تحولات خطيرة في بيئها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية باتجاهات الإضعاف والتفتت والاستبداد السياسي، الأمر الذي هدّد قوة هذه الدول، وأضعف كيانها السياسي والأمني، وضرب المناعة المجتمعية والسياسية في مجتمعاتها ليفتح الباب لتدخلات خارجية فيها بعيداً عن المصلحة الوطنية أو المصلحة القومية العربية، وهي اليوم تعيش أوضاعاً كارثية مثل ما هو الحال في ليبيا واليمن والسودان، وسوريا قبل نجاح الثورة، فيما تشكّلت حالة من الانقسام المقنّن بالدستور كما في حالة العراق على أسس عِرقية أحياناً ومذهبية أحياناً أخرى، وأصبحت الدولة تخضع للمحاصصة في بيئها السياسية، ولم تنجح محاولات حكوماتها المتتابعة حتى الآن في تحقيق التنمية الحقيقية في البلاد، ولا في توحيد القوى الاجتماعية على نسق وطنيّ واحد، وذلك رغم الثراء الكبير للدولة من النفط والزراعة والمياه والطاقات البشرية المميزة.
في مقابل هذا الحال من هشاشة الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني في كثير من الدول العربية تدفع بعض القوى العربية إلى تطبيق نظريات الحظر والإقصاء والتهميش لقوى المجتمع المختلفة والمعارضة، وخاصة المستنيرة منها، الأمر الذي يهدّد برامج وسياسات تحقيق الاستقرار المنشود في العالم العربي، وأيضاً في ظل التحديات الكبيرة التي تواجهها دوله إقليمياً ودولياً وداخلياً، والتي تتطلب تركيز القوة والموارد والجهود لمواجهة هذه التحديات، وليس خلق وصناعة أزمات وتحديات داخلية بأيدي أبنائها وفيما بينهم، وبالتالي فتح الباب لمشاكل داخلية تستنزف المال والجهد وتهدد الاستقرار بمختلف أبعاده على المدى القريب والمتوسط، الأمر الذي يُضعف الدولة ويفتح شهية الطامعين فيها من الأقوياء.
ولذلك فإن السعي لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي والنماء الاقتصادي وإعادة بنائه بقوة في العالم العربي هو الاستراتيجية الأكثر إلحاحاً، والتي تجعل لهذه الأمة قيمة مع نفسها وأمام الدول الأخرى الصديقة والمعادية، وبالاستقراء تظهر العديد من المتطلبات الأولية كتوجهات نظرية وعملية لتحقيق هذه الحالة المنشودة.
ولتأسيس حالة من الاستقرار المستدام سياسياً واجتماعياً واقتصادياً فإن على النخب العربية الحاكمة والقوى الاجتماعية والسياسية في كل دولة صياغة الرؤية الوطنية للدولة والمجتمع وتحقيق التحام الجميع حولها، بما في ذلك وضوح الأهداف الاستراتيجية للدولة.
ويشار على هذا الصعيد إلى أهمية تحقيق الاستقرار في التشريعات الناظمة والإجراءات التنفيذية لبناء النظام السياسي وهياكله وفاعليته وصلاحياته في مختلف أنواع أنظمة الحكم العربية، وتبنّي النخب العربية الحاكمة لاستراتيجية تشكيل المناعة الوطنية عبر بناء "الجماعة الوطنية" لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، والتي تتضمّن هامشاً واسعاً من الاختلاف والمعارضة وفق أفكار وتوجهات كل قوة اجتماعية وسياسية إزاء مختلف السياسات التي تتبنّاها أو تمارسها السلطة التنفيذية والتشريعية.
من جهة أخرى، فإن استجماع القوة الجيوسياسية للدولة في بنية قوية موحّدة يشارك فيها أبناء الوطن بلا تمييز وعلى قدم المساواة، وتحقيق التكامل والتفاعل بين المشروع السياسي والاجتماعي للدولة، مدعوماً بنظام اقتصادي متطور حداثي في مجالات الصناعة والتجارة والزراعة والسياحة وغيرها، إضافة الى ارتباطه بالمنظومة التعليمية والصحية للدولة، وتوفير الخدمات الأساسية للمجتمع بجغرافيته المتباينة بلا تمييز، ووفق المقدرات المتاحة والحاجة المتجددة للمجتمعات، كلّ ذلك يعضد الاستقرار ويقوّي دعائمه.
وعلى صعيد آخر فإن تعزيز الحريات العامة والفردية وحمايتها بالقانون من العبث أو الاعتداء من قبل أي جهة كانت في الدولة أو في المجتمع، وتحقيق التعايش الفكري والديني والطائفي والإثني والقبلي والجغرافي بين أبناء الدولة الواحدة على قاعدة استيعاب التعددية الفكرية والاجتماعية والسياسية في النظام بلا تمييز أيضاً، سوف يشكّل دعامة صلبة للاستقرار السياسي والاجتماعي في مواجهة أي عواصف أو عدوان.
وفيما يتعلق بالمواطنة الحقيقية فإن التكامل الواضح بين الحقوق والواجبات في كل مستويات العمل في الدولة والأعمال الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية، واستبعاد اللجوء إلى الغاء الآخر السياسي أو الاجتماعي مهما كانت درجة الخلاف والاختلاف معه تجاه التعامل مع التحولات والمراحل الزمنية وبين الأجيال، واللجوء دوماً إلى الحوار كأساس للتوصل إلى حلول وسطية أو تفهّم كل طرف للآخر، ورفض الإقصاء والتهميش والحظرتحت أي ذريعة، إن ذلك سيؤسس لدولة قوية ومجتمع متماسك ومواطنة إيجابية فاعلة ومنتمية وموالية للوطن وللأمة وفق رؤية ووضوح وبثقة تامة بالدولة ومستقبلها وقدراتها.
وكذلك اعتبار تشكيل الحكومات الوطنية مسئولية جماعية بين النخب الحاكمة والقوى السياسية والاجتماعية في الدولة، وعبر وسائل وهياكل المنظومة السياسية القائمة، والاعتراف بالحقّ الكامل لكلّ الكفاءات أن تقود الوزارات والمؤسسات العامة، وأن تختار بالانتخاب أو بالكفاءة المعيارية دون تمييز إن رغبت.
ولذلك، فإن المسئولية الكلية في تعزيز الاستقرار وحمايته بكل أبعاده هي مسئولية جماعية وطنية تقودها النخبة الحاكمة في الدولة وبشراكة كاملة وبتحمل مسئولية من قبل كل قوى المجتمع بمختلف أفكارها واتجاهاتها، وهي الحالة التي تؤمّن الفرصة الكبيرة لبناء دولة حديثة متقدمة ومتطورة وقوية وتتمتع بالمناعة الوطنية، وتستند إلى قوتها الجيوسياسية للقيام بدورها الجيواستراتيجي في إقليمها وعلى مستوى العالم العربي والإسلامي والنظام الدولي.
المقال الإفتتاحي لمجلة دراسات شرق أوسطية – العدد - 112
|
|
|||
|
|||||
|---|---|---|---|---|---|