الحضور الكرام
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، السَّادَةُ أَصْحَابُ الْمَعَالِي وَالْعُطُوفَةِ وَالسَّعَادَةِ، السَّيِّدَاتُ وَالسَّادَةُ الْحُضُورُ الْكِرَامُ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ،
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَارَكَ حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَجَعَلَهُ أُولَى الْقِبْلَتَيْنِ وَثَالِثَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَمَسْرَى النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الْهَاشِمِيِّ مُحَمَّدٍ ?، وَمَهْوَى أَفْئِدَةِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.
إِنَّ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى الْمُبَارَكَ هُوَ جَوْهَرُ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَجُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ إِيمَانِ الْأُمَّةِ وَوِجْدَانِهَا، وَعُنْوَانٌ لِلْهُوِيَّةِ، وَإِرْثٌ حَضَارِيٌّ عَرِيقٌ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ دِينِيَّةٌ وَتَارِيخِيَّةٌ كُبْرَى لَا تَقْبَلُ التَّفْرِيطَ أَوِ التَّنَازُلَ.
وَالْقُدْسُ هَذِهِ الْمَدِينَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي اخْتَصَّهَا اللهُ تَعَالَى بِقُدْسِيَّةِ الْمَكَانِ، وَخَلَّدَهَا فِي وِجْدَانِ الْأُمَّةِ، وَجَعَلَهَا رَمْزًا خَالِدًا لِلتَّارِيخِ وَالْعَقِيدَةِ وَالصُّمُودِ كَانَتْ وَسَتَبْقَى عُنْوَانًا لِلْوَحْدَةِ، وَمَهْوًى لِأَتْبَاعِ الدِّيَانَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، وَمَسْرَحًا لِتَلَاقِي الْحَضَارَاتِ، وَشَاهِدًا عَلَى عُمْقِ الِانْتِمَاءِ الْعَرَبِيِّ وَالْإِسْلَامِيِّ وَالْمَسِيحِيِّ لِهَذِهِ الْأَرْضِ الْمُبَارَكَةِ.
الْوِصَايَةُ الْهَاشِمِيَّةُ عَلَى الْمُقَدَّسَاتِ فِي الْقُدْسِ الشَّرِيفِ
لوَفِي خِضَمِّ هَذِهِ الْمَكَانَةِ، تَبْرُزُ الْوِصَايَةُ الْهَاشِمِيَّةُ عَلَى الْمُقَدَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ فِي الْقُدْسِ بِاعْتِبَارِهَا أَمَانَةً تَارِيخِيَّةً مُتَّصِلَةَ الْجُذُورِ وَمَسْؤُولِيَّةً دِينِيَّةً رَاسِخَةً، حَمَلَتْهَا الْقِيَادَةُ الْهَاشِمِيَّةُ مُنْذُ عُقُودٍ، فَكَانَتْ صِمَامَ الْأَمَانِ وَالدِّرْعَ الْحَامِيَ لِلْمُقَدَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ، وَالسَّنَدَ الثَّابِتَ فِي الْحِفَاظِ عَلَى هُوِيَّةِ الْقُدْسِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ، وَصَوْنِ مُقَدَّسَاتِهَا مِنْ كُلِّ مَا يَسْتَهْدِفُهَا أَوْ يَنْتَقِصُ مِنْ مَكَانَتِهَا.
وَيَأْتِي فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الدَّوْرِ الْكَبِيرِ، الْجُهُودُ الْمُتَوَاصِلَةُ الَّتِي يَقُودُهَا جَلَالَةُ الْمَلِكِ عَبْدُ اللهِ الثَّانِي ابْنُ الْحُسَيْنِ، الَّذِي لَمْ يَدَّخِرْ جُهْدًا فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَالْقُدْسِ الشَّرِيفِ فِي مُخْتَلَفِ الْمَحَافِلِ الدَّوْلِيَّةِ، تَأْكِيدًا عَلَى حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِي مُقَدَّسَاتِهِمْ، وَحِرْصًا عَلَى حِمَايَةِ الْوَضْعِ التَّارِيخِيِّ وَالْقَانُونِيِّ الْقَائِمِ، وَدَعْمًا لِصُمُودِ أَهْلِ الْقُدْسِ فِي وَجْهِ التَّحَدِّيَاتِ الْمُتَزَايِدَةِ.
وَقَدْ أَكَّدَ جَلَالَةُ الْمَلِكِ عَبْدُ اللهِ الثَّانِي بْنُ الْحُسَيْنِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ أَنَّ الْقُدْسَ أَوْلَوِيَّةٌ أُرْدُنِيَّةٌ هَاشِمِيَّةٌ، وَسَنُوَاصِلُ الدِّفَاعَ عَنْ مُقَدَّسَاتِهَا وَالْحِفَاظَ عَلَيْهَا اسْتِنَادًا إِلَى الْوِصَايَةِ الْهَاشِمِيَّةِ الَّتِي نُؤَدِّيهَا بِشَرَفٍ وَأَمَانَةٍ.
مَوْقِفُ الْأُرْدُنِّ الثَّابِتُ تُجَاهَ الْمُقَدَّسَاتِ وَالْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ
"إِنَّ مَوْقِفَ الْأُرْدُنِّ تُجَاهَ الْقَضِيَّةِ الْفِلَسْطِينِيَّةِ وَالْمُقَدَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي الْقُدْسِ مَوْقِفٌ رَاسِخٌ وَثَابِتٌ، يَسْتَنِدُ إِلَى مَسْؤُولِيَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ وَدَوْرٍ هَاشِمِيٍّ أَصِيلٍ، حَيْثُ يُعْتَبَرُ مَوْقِفُ الْأُرْدُنِّ مِنْ أَكْثَرِ الْمَوَاقِفِ وُضُوحًا وَثَبَاتًا فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْقُدْسِ وَالْمُقَدَّسَاتِ".
فَالْأُرْدُنُّ:
• يَرْفُضُ أَيَّ تَغْيِيرٍ فِي الْوَضْعِ الْقَانُونِيِّ وَالتَّارِيخِيِّ لِلْمُقَدَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ فِي الْقُدْسِ الشَّرِيفِ.
• يُؤَكِّدُ أَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى الْمُبَارَكَ بِكَامِلِ مِسَاحَتِهِ (144 دُونَمًا) حَقٌّ خَالِصٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَحْدَهُمْ، لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ وَلَا الشَّرَاكَةَ.
• يَدْعَمُ الشَّعْبَ الْفِلَسْطِينِيَّ فِي نَيْلِ حُقُوقِهِ الْمَشْرُوعَةِ.
دَوْرُ وِزَارَةِ الْأَوْقَافِ وَالشُّؤُونِ وَالْمُقَدَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ
كَمَا يُوَاصِلُ الْأُرْدُنُّ، عَبْرَ وِزَارَةِ الْأَوْقَافِ، الْقِيَامَ بِدَوْرِهِ فِي إِدَارَةِ شُؤُونِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الْمُبَارَكِ، رَغْمَ التَّحَدِّيَاتِ وَالصُّعُوبَاتِ الَّتِي يَفْرِضُهَا الِاحْتِلَالُ، مُؤَكِّدًا أَنَّ هَذِهِ الْمَسْؤُولِيَّةَ وَاجِبٌ دِينِيٌّ وَتَارِيخِيٌّ لَا يُمْكِنُ التَّفْرِيطُ بِهِ، حَيْثُ تَضْطَلِعُ وِزَارَةُ الْأَوْقَافِ وَالشُّؤُونِ وَالْمُقَدَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِدَوْرٍ مِحْوَرِيٍّ وَمُتَكَامِلٍ فِي رِعَايَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الْمُبَارَكِ، مِنْ خِلَالِ الْإِشْرَافِ عَلَى شُؤُونِهِ الدِّينِيَّةِ وَالْإِدَارِيَّةِ، وَإِعْمَارِ مَرَافِقِهِ، وَصِيَانَتِهِ، وَتَنْظِيمِ شُؤُونِهِ، إِلَى جَانِبِ دَعْمِ صُمُودِ أَهْلِ الْقُدْسِ وَتَعْزِيزِ ارْتِبَاطِهِمْ بِمُقَدَّسَاتِهِمْ، انْطِلَاقًا مِنْ رِسَالَةٍ دِينِيَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ سَامِيَةٍ.
التَّحَدِّيَاتُ
وَرَغْمَ هَذِهِ الْجُهُودِ الْمُبَارَكَةِ، فَإِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُوَاجِهُ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ، سِيَاسَاتِ الْإِغْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ الَّتِي تُفْرَضُ عَلَيْهِ، وَالَّتِي تُشَكِّلُ انْتِهَاكًا وَاضِحًا لِحُرِّيَّةِ الْعِبَادَةِ، وَاعْتِدَاءً عَلَى حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْوُصُولِ إِلَى مُقَدَّسَاتِهِمْ. فَهَذِهِ السِّيَاسَاتُ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى مَنْعِ الْمُصَلِّينَ مِنْ أَدَاءِ عِبَادَاتِهِمْ، بَلْ تَهْدِفُ إِلَى فَرْضِ وَاقِعٍ جَدِيدٍ، يَسْعَى إِلَى تَغْيِيرِ الطَّابَعِ التَّارِيخِيِّ وَالدِّينِيِّ لِلْمَكَانِ.
إِنَّ الْإِغْلَاقَ الْمُتَكَرِّرَ لِلْأَقْصَى، وَتَقْيِيدَ الدُّخُولِ إِلَيْهِ، لَا يُؤَثِّرُ فَقَطْ عَلَى قُدْسِيَّةِ الْمَكَانِ، بَلْ يَمْتَدُّ أَثَرُهُ إِلَى الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ فِي الْقُدْسِ، حَيْثُ يُعَانِي الْمَقْدِسِيُّونَ مِنْ تَضْيِيقٍ مُسْتَمِرٍّ، وَقُيُودٍ عَلَى الْحَرَكَةِ، وَضُغُوطٍ اقْتِصَادِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ، فِي مُحَاوَلَةٍ لِلنَّيْلِ مِنْ صُمُودِهِمْ وَإِضْعَافِ ارْتِبَاطِهِمْ بِأَرْضِهِمْ وَمُقَدَّسَاتِهِمْ.
فَهَذِهِ السِّيَاسَاتُ تَمْثُلُ انْتِهَاكًا صَارِخًا لِلْقَانُونِ الدَّوْلِيِّ وَحُرِّيَّةِ الْعِبَادَةِ، وَتَعْكِسُ تَوَجُّهًا مُمَنْهَجًا لِإِعَادَةِ تَشْكِيلِ الْوَضْعِ الْقَائِمِ فِي الْمُقَدَّسَاتِ، كَمَا تَكْشِفُ عَنْ فَجْوَةٍ وَاضِحَةٍ بَيْنَ حَجْمِ الِانْتِهَاكَاتِ وَمُسْتَوَى الِاسْتِجَابَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْإِسْلَامِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ.
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ التَّعَامُلَ مَعَ هَذِهِ السِّيَاسَاتِ يَتَطَلَّبُ مُقَارَبَةً شَامِلَةً تُوَظِّفُ الْأَدَوَاتِ الْقَانُونِيَّةَ وَالسِّيَاسِيَّةَ وَالدِّبْلُومَاسِيَّةَ، لِضَمَانِ حِمَايَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَالْحِفَاظِ عَلَى طَابَعِهِ الْإِسْلَامِيِّ، وَمَنْعِ تَكْرِيسِ أَيِّ وَاقِعٍ يُخَالِفُ الشَّرْعِيَّةَ الدَّوْلِيَّةَ.
إِنَّ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْمَقْدِسِيِّينَ الْيَوْمَ كَبِيرَةٌ وَمُتَعَدِّدَةٌ، تَبْدَأُ مِنَ الْقُيُودِ الْمَفْرُوضَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَلَا تَنْتَهِي عِنْدَ حُدُودِ التَّضْيِيقِ الْمَعِيشِيِّ، مُرُورًا بِمُحَاوَلَاتِ تَغْيِيرِ الْهُوِيَّةِ، وَفَرْضِ وَاقِعٍ جَدِيدٍ عَلَى الْأَرْضِ، وَمَعَ ذَلِكَ، يُثْبِتُ أَهْلُ الْقُدْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَنَّهُمْ أَهْلُ صَبْرٍ وَثَبَاتٍ، مُتَمَسِّكُونَ بِحَقِّهِمْ، وَمُدَافِعُونَ عَنْ مُقَدَّسَاتِهِمْ، رَغْمَ كُلِّ الصِّعَابِ.
إِنَّ مَسْؤُولِيَّتَنَا جَمِيعًا، حُكُومَاتٍ وَشُعُوبًا، وَمُؤَسَّسَاتٍ وَأَفْرَادًا، أَنْ نَقِفَ إِلَى جَانِبِ الْقُدْسِ وَأَهْلِهَا، وَأَنْ نَدْعَمَ صُمُودَهُمْ، وَأَنْ نَعْمَلَ بِكُلِّ الْوَسَائِلِ الْمُمْكِنَةِ لِلْحِفَاظِ عَلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الْمُبَارَكِ، وَصَوْنِ قُدْسِيَّتِهِ، وَالدِّفَاعِ عَنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فِي الْوُصُولِ إِلَيْهِ.
كَمَا يَتَوَجَّبُ عَلَيْنَا تَعْزِيزُ الْوَعْيِ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَنَقْلُهَا إِلَى الْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ، بِاعْتِبَارِهَا قَضِيَّةَ عَقِيدَةٍ وَهُوِيَّةٍ، وَالْعَمَلُ عَلَى حَشْدِ الْجُهُودِ الدَّوْلِيَّةِ لِوَقْفِ الِانْتِهَاكَاتِ، وَالْحِفَاظِ عَلَى الْوَضْعِ الْقَائِمِ فِي الْمُقَدَّسَاتِ.
نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَ الْمَسْجِدَ الْأَقْصَى، وَأَنْ يُبَارِكَ فِي الْقُدْسِ وَأَهْلِهَا، وَأَنْ يُعِينَنَا جَمِيعًا عَلَى أَدَاءِ وَاجِبِنَا تُجَاهَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الْعَادِلَةِ. وَنَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُدِيمَ عَلَى الْأُرْدُنِّ قِيَادَتَهُ الْهَاشِمِيَّةَ، بِقِيَادَةِ جَلَالَةِ الْمَلِكِ عَبْدِ اللهِ الثَّانِي ابْنِ الْحُسَيْنِ، سَنَدًا قَوِيًّا وَحَامِيًا أَمِينًا لِلْمُقَدَّسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ فِي الْقُدْسِ الشَّرِيفِ.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته