سيتم نقل البث المباشر للمؤتمر على مدار يومي المؤتمر
الأحد والإثنين الموافق 17-2013/11/18

مؤتمر
حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي

 التحديات والآفاق

عمّان –18/11/2013: عقد مركز دراسات الشرق الأوسط يومي 17-18/11/2011 مؤتمراً متخصصاً بعنوان "حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي- التحديات والآفاق"، شارك فيه نحو مائة وخمسون من الخبراء والأكاديميين والناشطين السياسيين من نحو 12 بلداً عربياً، وعُقِدت جلسة الافتتاح والجلسة الأولى في فندق "ريجنسي بالاس"، ثم استكمل المشاركون وقائع المؤتمر في قاعة المؤتمرات الخاصة بالمركز.

ويأتي انعقاد المؤتمر بالتزامن مع التطورات التي تشهدها المنطقة العربية منذ العام 2011؛ إذ بدا واضحاً في أعقاب الثورة التونسية أن تحولات وديناميات سياسية واجتماعية بدأت بالفعل على امتداد الوطن العربي من المحيط إلى الخليج. وهي تحولات أفضت إلى تصدر حركات الإسلام السياسي للمشهد الانتخابي وتصديها لمهمات الحكم في أكثر من بلد عربي، وعلى رأسها مصر وتونس والمغرب. غير أن الاضطرابات الأخيرة التي شهدتها مصر وتونس تطرح تساؤلات مهمة بشأن واقع حركات الإسلام السياسي ومستقبلها في الوطن العربي، فضلاً عن تساؤلات أهم بشأن الإطار الأشمل، وهو ما يتعلق بمستقبل عملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية بأسرها ودور تيار الإسلام السياسي فيها ورؤيته لها.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، ناقش المؤتمر على مدى يومين 20 ورقة عمل متخصصة توزعت على ثماني جلسات، وهدفت إلى البحث والدراسة في حركات الإسلام السياسي بعلمية وموضوعية، ومناقشة تجاربها وتقييمها، وبحث التحديات التي تواجهها، ومن ثم تناولت رؤاها الخاصة للمستقبل ومدى قدرتها على تطبيقها، والبحث بالتالي في مستقبل هذه الحركات في المنطقة، وهل يمكن أن تنجح إلى جانب القوى الأخرى ببناء نظريات الشراكة الوطنية، وتقديم نموذج مشروع عربي إسلامي نهضوي، ونموذج في تجسير العلاقة بين هذه القوى وبين الحكومات العربية من جهة، وبينها وبين القوى المجتمعية والسياسية الأخرى من جهة ثانية.

الافتتاح

افتُتِح اليوم الأول من المؤتمر بكلمة لرئيس التجمع اليمني للإصلاح الأستاذ محمد اليدومي، أوضح فيها أن اليمن عانت في مرحلة ما قبل ثورة فبراير/ شباط 2011 من الحكم الشمولي المستبد، وهيمنة حزب واحد تفرد بالسلطة، وسعى إلى اللعب على ورقة التناقضات والتباينات السياسية في أوساط المعارضة للإبقاء عليها منقسمة، غير أن التجمع اليمني وأحزاب المعارضة اليمنية، حسب اليدومي، تمكنت من توحيد صفوفها في "اللقاء المشترك" منذ العام 1996، وهو ما ساهم في قيام الثورة اليمنية في فبراير 2011. وأشار اليدومي إلى أن اللقاء المشترك ما زال أمامه تحديات كثيرة تتمثل في عملية بناء الدولة الوطنية، وتحقيق التحول الديمقراطي، ومحاربة الفقر والبطالة، وإنجاز عملية تنموية شاملة ومستدامة.

ودعا اليدومي في نهاية كلمته حركات الإسلام السياسي إلى تقديم النموذج في إدارة الاختلاف مع شركاء الوطن، ليس طبقاً لما تقتضيه موازين القوى، وإنما طبقاً لما تمليه أخلاق الإسلام من الصبر والعفو والصفح وما تفرضه سياسة بناء الأوطان وتماسك بنيان المجتمعات.

فيما ركز رئيس حزب العدالة والبناء الليبي الأستاذ محمد صوّان، على أن واقع المنطقة العربية بعد الثورات العربية بات يطرح على التيار الإسلامي حزمة جديدة ونوعاً جديداً من التساؤلات، تختلف في طبيعتها عن تلك التي كانت تطرح عليه أيام نضاله ضد الاستبداد الداخلي عبر تنظيمات نخبوية وكوادر مدربة على فنون العمل السياسي سواء من خلال السعي للوصول إلى أغلبيات برلمانية أو السعي للمشاركة في الحكم عن طريق الأسلوب الديمقراطي.

وأشار صوّان إلى أن المشهد العربي الراهن لم ينضج بعد؛ إذ ما نزال نعيش مخاضاً قاسياً لتحولات عديدة لاحقة، كما أن هناك عدة فصول للحكم النهائي على هذه التجربة الجديدة ليست على التيار الإسلامي فقط بل على التيار العلماني بجناحيه اليساري والليبرالي، والنظم السياسية التقليدية القائمة في المنطقة، وما زال السؤال يطرح نفسه هل استفادت تلك النظم وتلك التيارات من النتائج الأولية لثورات الربيع العربي؟

وألقى أ. طاهر المصري رئيس مجلس الوزراء الأردني الأسبق، كلمة رأى فيها أن الإسلام دين ودولة في إطار معطيات الزمان والمكان، والقدرة على الاعتماد على الذات وعلى التعايش مع المتغيرات وإحتوائها والاستفادة منها. ومن هنا تساءل المصري عن مدى قدرة حركات الإسلام السياسي على فرض إقامة الدولة الإسلامية، بين عشية وضُحاها، وسط عالمٍ قَاَتلَ طويلاً من أجل تحييد الدين عن مفهوم الدولة الحديثة، واختار نمطاً مدنياً للحكم!! غير أنه نوّه إلى هذا التساؤل لا يعاند مفهوم الدولة في الإسلام، ولكنه مطروح للنقاش، في زمن نحن أحوج ما نكون فيه، إلى استلهام روح الإسلام، في مقاربة الحوار الموضوعي الراشد، الذي ينبذ رفض أو إقصاء الآخر، وهو حوار لو تم إتباعه، لما شهدنا أبداً تلك الخلافات والصراعات الحادةٌ، بين النخب والجماعات، الساعية إلى إقامة الدول على أسس منهجية إسلامية، ولا بينها وبين الحركات السياسية الأخرى، أو بينها وبين النظم السياسية الحاكمة.

كما دعا المصري الحركات الإسلامية الراشدة إلى مراجعة المنهج والنهج معاً، وصولاً إلى القناعة بأن تسويق الرأي وبنجاح، يحتاج بالضرورة إلى ثقة الآخر، وطمأنينة الآخر، وقناعة ذلك الآخر، سواء الآخر بين صفوفنا، أو حتى خارج تلك الصفوف، مع حتمية الكف عن الروح الاتهامية والتشاؤمية، التي لا تترك أية فرصة لاستقطاب الآخر، مثلما تنمي روح العداء والكراهية والخوف، وليس ذلك من شأن الإسلام أبداً، ولنا في رسولنا الكريم صلوات الله وسلامة عليه، وسيرته العطرة، خير قدوة على هذا الصعيد.

وأكد الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي في الأردن الأستاذ حمزة منصور، على أن وصول حركات الإسلام السياسي إلى سدة الحكم، أو المشاركة الفاعلة فيه، وتصدر حملته المشهد في الأقطار التي تبنت شعار إصلاح النظام، ألّب عليها قوى وتيارات سياسية، وأنظمة حكم إقليمية ودولية، وكانت أبرز تجليات هذا المشهد في مصر وتونس وغزة. كما أكد منصور على أن هذه التحديات المحلية والإقليمية والدولية تفرض على حملة المشروع السياسي الإسلامي مسؤوليات جسيمة، ومن أجل ذلك دعا منصور إلى أن يتصدر اهتمامات الإسلاميين عدد من الأولويات، ومن أبرزها: فهم الواقع بتشعباته وتعقيداته على مختلف الصعد المحلية والإقليمية والدولية، وتبني مشروع على مستوى الأمة وليس على المستوى القطري فحسب، وامتلاك مقومات إدارة الدولة، وتقديم التطمينات اللازمة لمختلف شرائح المجتمع.

وأخيراً، وفي كلمته الافتتاحية أشار مدير مركز دراسات الشرق الأوسط الأستاذ جواد الحمد إلى أن غياب نظرية الشراكة الوطنية تسبب في عجز الحكومات العربية لأكثر من ستة عقود بعد الاستقلال عن بناء الجماعة الوطنية في كل قطر، كما عجزت الحركات السياسية القومية منها والإسلامية واليسارية والليبرالية عن تقديم نموذج قابل للتطبيق في هذا المجال، ولما وصلت إلى الحكم لم تكن تملك هذه الخبرة والتجربة، الأمر الذي أوجد فجوات أساسية بين القوى السياسية والمجتمعية وأفرز لاحقاً تيارات متخاصمة أكثر منها متنافسة، بل إن اللجوء إلى العنف من قبل جماعات إسلامية هامشية خارج تيار الإسلام السياسي، ولجوء أجهزة الأمن الرسمية إلى القمع شكل مشهداً اضعف وضوح مسار التحول الديمقراطي والنهضة العربية، وشوّش على التيارات الشبابية التي بنت الآمال على دور مستقبلي رائد لها في ظل عمليات التحول الكبرى التي أصابت المنطقة بعد الثورات.

وأكد الحمد في كلمته على أن المؤتمر تمّ تصميمه ليستوفي متطلبات البحث العلمي الموضوعية، حيث إن مجال البحث الأساسي هو تقديم المعلومات والتوصل إلى استنتاجات تتعلق برؤية نقدية للتجارب ومن ثم التوصل إلى آفاق المستقبل ومحدداته، كما أشار الحمد إلى أن المؤتمر يهدف التوصل إلى رؤية استراتيجية مستقبلية لتطوير أداء تيارات الإسلام السياسي مع القوى العربية الأخرى وبتفاعل حقيقي متكامل مع المحيط الإقليمي والدولي، خاصة وأن تيار الإسلام السياسي بكل أشكاله اليوم أصبح جزءاً أساسياً من المشهد العربي وهو جزء حقيقي ومستمر في المستقبل كما كان في الماضي.

وقائع الجلسات

المحور الأول: حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي وتأثيراتها وتجاربها

تعددت مشاركات حركات الإسلام السياسي في الحياة السياسية العامة في الدول العربية، فقد كان لها حضور في الحكم وإدارة شؤون البلاد بشكل منفرد أو بالتشارك مع قوى سياسية أخرى، كما شاركت حركات الإسلام السياسي في السلطة التشريعية عبر البرلمانات وقدمت نماذج متفاوتة في الفاعلية والتأثير من دولة لأخرى، وكان لحركات الإسلام السياسي حضور كذلك في الأعمال النقابية واتحادات العمال ومجالس الطلبة واتحاداتهم في معظم البلاد العربية، ولا ينسى دور هذه الحركات في أعمال مقاومة الاستعمار والاحتلال وبخاصة في فلسطين.

وتركزت الإشارة في المؤتمر في جانبين من هذه المشاركات، وهما المشاركة في السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث مارست هذه الحركات العمل السياسي من خلال مؤسسات العمل السياسي القائمة في الدول التي توجد فيها، سواء كانت هذه المشاركة شاملة أو جزئية.

ويمكن تسجيل عدد من الملاحظات في وصف نتائج هذه التجارب:

- تفاوت العمل السياسي في معظم الدول العربية ما قبل الربيع العربي، سواء من حيث الأداء أومن حيث تهيئة البيئة من قبل الأنظمة الحاكمة أصلا، وقد اتخذت بعض الأنظمة العربية سياسات مؤثرة سلبا على الواقع السياسي والحياة السياسية والديمقراطية وتنميتها، وضغطت بعض الأنظمة باتجاه إضعاف العمل السياسي للقوى السياسية العربية وقوى المجتمع المدني بهدف الاستفراد بالسلطة وامتلاك قواعد اللعبة جميعاً.

      - تسببت بعض تجارب حركات الإسلام السياسي انقسامات جديدة وأفكاراً جديدة في إدارة العلاقة بين القوى السياسية أوبينها وبين أنظمة الحكم.

       - نبعت تجربة حركة حماس في المقاومة من منطلقات عقدية وفكرية وسياسية وواقعية.

       - هناك فرق بين التجربة تحت الاحتلال (كالعراق وفلسطين) والتجربة في الدول المستقلة.

      - كان ثمة مواجهات دولية لبعض تجارب حركات الإسلام السياسي من خلال الحصار (كالسودان وغزة مثلاً).

       - كان لحركات الإسلام السياسي حضور في الحكم مشاركة أو منفردة، على الرغم من افتقار بعضها للاستمرارية لأسباب مختلفة، خاصة بعد انتقال كثير من الحركات من معارضة السلطة إلى المشاركة فيها، ثم العودة إلى موقع المعارضة اختياراً أو إجباراً، كما في مصر والأردن واليمن.

       - حققت حركات الإسلام السياسي نقلات نوعية في مستوى الأداء والفعل السياسي، وفازت مؤخراً بشكل ملحوظ في الانتخابات البرلمانية في كل من مصر وتونس والمغرب، مثلما حققت تقدماً في عدد من الدول الأخرى، وكان ذلك نتيجة وعيها بأهمية المشاركة في العملية الديمقراطية وآلياتها، وكانت لها مشاركات متباينة في حجمها داخل بعض البرلمانات العربية مثل الأردن واليمن وليبيا والكويت.

ومما سبق يمكن القول إن تجارب حركات الإسلام السياسي اعتمدت في معظم الساحات سياسة المشاركة لا المغالبة، وإن وصول حركات الإسلام السياسي إلى السلطة التشريعية والتنفيذية في عدد من البلاد العربية شجّع القوى المختلفة- محلياً وإقليمياً ودولياً- على التعامل مع هذا الواقع الجديد، وكذلك على اعتبار أن هذه الحركات يمكن أن تكون لاعباً في العملية الديمقراطية.

الجلسة الأولى:

جاءت الجلسة الأولى تحت عنوان "حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي وتأثيراتها وتجاربها"، وترأسها السفير د. ربيع حسن أحمد من السودان، وقدم فيها أ. نور الدين قربال/ المغرب ورقة حول تجارب حركات الإسلام السياسي البرلمانية (المغرب نموذجاً) التي عرض فيها لمرحلة تأسيس حزب العدالة والتنمية المغربي عام 1967 تحت اسم الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، وانضمام أعضاء من حركة التوحيد والإصلاح بعد توّحدها مع الحزب عام 1996، ثم بين من خلال ورقته مرحلة المشاركة في الانتخابات التشريعية منذ العام 1997 وحتى العام 2007، ثم تعديل الدستور عام 2011 بعد أحداث الربيع العربي في تونس وتنامي المطالب الإصلاحية في المغرب.

وأوضح قربال أن المغرب شكل نموذجاً على المستوى الإقليمي في إنجاح المرحلة الانتقالية رغم وجود التحديات الكبيرة، وأن حزب العدالة والتنمية استفاد من تمثيله في العمل البرلماني، ودوره في تقديم المداخلات على الشق السياسي، والاقتصادي، بالإضافة لتناول مواضيع تطوير المنظومة القانونية، وقد قام الحزب بتطوير سياسة القرب من المواطنين. كما خلص الباحث إلى أن العمل البرلماني يتدارك نقائص العمل الحكومي بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، موضحاً أن الحزب يمتلك قواعد في منهج العمل السياسي تقوم على التعاون مع المؤسسة الملكية والبعد عن التنازع، والتوافق لإنجاح التجربة الانتقالية.

وبدوره أشار د. محمد أبو رمان/ الأردن في ورقته بشأن تجارب حركات الإسلام السياسي البرلمانية (الأردن نموذجاً) إلى أن الأردن يسير باتجاه "ديمقراطية مقيدة" لاعتبارات عديدة ومن أبرزها أن المعارضة في البلاد وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين اكتفت في خضم الثورات العربية بسقف الإصلاح في حراكها، والذي عدّه الباحث أحد "قواعد اللعبة التقليدية" التي مارسها طرفا المعادلة السياسية الأردنية، المعارضة والنظام، طوال العقدين الماضيين.

وفيما يتصل بآفاق المستقبل في ظلّ الثورات العربية، خلص أبو رمان إلى أنه رغم أن آثار تلك الثورات لم تمتد إلى الأردن بذلك القدر المغيّر للأنظمة، إلا أن البلاد لم تكن بمعزل عن تأثراتها والتي حصلت المعارضة من خلالها على مكاسب محدودة، كما أدت هذه الثورات إلى رفع سقف المطالب إلى حدود غير مسبوقة لدى قيادات جماعة الإخوان وصلت إلى حدّ المطالبة بالملكية الدستورية، الأمر الذي أنذر باتساع الفجوة بين النظام والجماعة من جهة وبين أقطاب الجماعة نفسها من جهة أخرى.

بينما عرض أسامة حمدان/ فلسطين ورقة حول تجربة حركات الاسلام السياسي في المقاومة (فلسطين نموذجاً) لتجربة حركة حماس في الجمع بين السلطة والمقاومة، موضحاً أن حماس لم تسع لإنشاء معادلة الجمع بين السلطة والمقاومة، بل إن الواقع هو الذي فرض عليها أن تدخل معادلة السلطة لتحمي المقاومة، وأنها انطلقت في هذه التجربة من قراءة للواقع أساسها فشل اتفاقية أوسلو، وإمكانية تحويل واقع السلطة من واقع أراده الاحتلال لخدمته (كاحتلال نظيف) إلى جزء من منظومة مقاومة الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال. إضافة إلى وقائع إنجازات المقاومة في لبنان وغزة ووجود فرصة لبناء توافق وطني عقب حوارات القاهرة في العام 2005، وتراجع ضغط البيئة السياسية باتجاه التسوية.

ورأى حمدان أن التحدي الجديد يتمثل في التحولات في البيئة العربية، التي يُعاد فيها تشكيل المنطقة، ويفرض هذا الواقع الجديد على المقاومة تحديات مهمة، لا بد من الإجابة عليها، وستشكل إجابات حركة حماس عليها، وكيفية تعاملها معها، انعكاساً هاماً على مسار المقاومة، ليس من حيث الوجود، وإنما من حيث المدى الزمني لتحقيق الإنجاز.

وفي آخر الورقات المقدمة في هذه الجلسة تناول د. عبد الرزاق مقري/ الجزائر، تجربة حركات الإسلام السياسي في السلطة والحكم مشاركة (الجزائر نموذجاً)، مقدماً قراءة موجزة لنشأة الحركة الإسلامية وتطورها في الجزائر منذ الاستقلال وحتى اليوم، ومن ثمّ تطور العمل الإسلامي بتأثير دعاة محليين، وبالاستفادة من كتب الصحوة الإسلامية، ومن خلال الأساتذة المتعاونين من إخوان مصر وسوريا.

وخلص مقري من قراءته إلى أن الحركة الإسلامية في الجزائر تتمتع بالاستقرار، وتستند إلى تجربة عملية، وتمارس نوعاً جديداً من المعارضة يتسم بتجنب الصدام العدمي مع النظام، واعتماد معارضة بطريقة علمية وطنية تحافظ على المتاح من الحريات.

كما بيّن الباحث أسباب عدم انخراط الجزائر في ثورات الربيع العربي بفعل تجربتهم السابقة، وخصوصية النظام الجزائري وإدارته للظروف. وختم مقري بأن على الإسلاميين في الجزائر الاهتمام بقضايا الإصلاح والتغيير السلمي، وأن عليهم تعويض تأخرهم في الخروج من التحالف إلى المعارضة من خلال الاهتمام بالمجال الفكري، وتحقيق التقارب بين الإسلاميين، ومراجعة رؤية العمل الإسلامي وأَخْلَقَتِه، ورسم العلاقة بغير الإسلاميين، والاهتمام بتنمية الموارد، وتأهيل القطاع النسائي، وإعادة البعد الشمولي للعمل الإسلامي، واقتحام مجال الإعلام والاهتمام به.

الجلسة الثانية:

بحثت الجلسة الثانية من المؤتمر، والتي ترأسها د. إسماعيل الشطي/ الكويت، موضوع "تجارب حركات الإسلام السياسي في الحكم"، وقُدِّمت خلالها أربعة أوراق، قدّم أولها د. قطبي المهدي/ السودان تحت عنوان تجربة حركات الإسلام السياسي في السلطة والحكم انفراداً (السودان نموذجاً)، أوضح فيها أن التجربة الإسلاميين في حكم السودانية تميزت بتجربتها مع الدولة العميقة، وبانفرادها بالحكم برغم فتحهم باب المشاركة مع الآخر، وهو ما مكنهم من الاستمرار رغم الاستهداف الخارجي.

وخلص المهدي إلى تجربة حكم الإسلاميين للسودان منذ العام 2000 وحتى اللحظة قد أظهرت سلبيات الانقسام ومهدت لاستراتيجية السودان الجديد التي بموجبها تم تسليم الجنوب لحركة التمرد، وأصبحت الاتفاقية دستور السودان الجديد، كما شهدت تأجج الصراع في دارفور لتتآكل السلطة المركزية، ولتظهر الحقائق المرعبة بشأن انشطار السودان وضياع الوحدة.

وذهب القطبي إلى أن تجربة الحركة الإسلامية قد تعرضت للقمع والبطش والإقصاء، كما تعرّضت للاستهداف الخارجي فدخلت صراعاً لا ينتهي، ووصلت لمنعطف مفصلي تنحصر خياراته في تجديد الرؤى أو السعي للبقاء في السلطة.

ومن جهته تناول د. محمد الأفندي/ اليمن، تجربة حركات الإسلام السياسي في السلطة والحكم مشاركة (اليمن نموذجاً) من خلال الورقة الثانية التي ركّز فيها على مشاركة حزب التجمع الينمي للإصلاح في السلطة والحكم في اليمن، خلال فترة ما قبل ثورة التغيير السلمية، وفترة ما بعد هذه الثورة. وانطلق الأفندي من فرضية مؤداها أن المشاركة السياسية للتجمع اليمني للإصلاح لا تمثل حالة وقتية طارئة، وإنما تمثل منهاجاً ثابتاً، لكنها تبقى استراتيجية تتغير مع تغير الأحداث والوقائع السياسية، كما أوضح الباحث بأن تجربة الحركة الإسلامية في اليمن قدمت تموذجاً بديلاً قائماً على التعايش لعلاقة الإسلاميين بالأنظمة المستبدة بدلاً من الاستئصال والإقصاء، يؤدي في النهاية لممارسة سلسة وآمنة للتداول السلمي للسلطة، كما تشير إلى أن التجربة اليمنية حملت جانباً مظلماً عندما نظر النظام للعلاقة من مبدأ التحجيم والاحتواء وتحقيق المصلحة الآنية.

وفي ضوء تنامي الفساد وحصول اختلال في الشراكة لصالح النظام الحاكم، أشار الأفندي إلى أن التجمع اليمني للإصلاح اتجه إلى بناء شراكة جديدة في المعارضة أنتجت تحالفاً جديداً يتبنى مقاومة الظلم والاستبداد والفساد سلمياً، مظهراً إمكانية التعايش الإسلامي والقومي واليساري. كما انخرط "التجمع" في محاولات التغيير السلمي وشارك في حكومة التوافق الوطني من أجل إنجاح الحوار الوطني، والتأسيس لشراكة فاعلة أو تداول سلمي للسلطة يبني يمناً جديداً.

وفيما يتصل بتجربة حركات الإسلام السياسي في السلطة والحكم (فلسطين نموذجاً)، قدّم د.يوسف رزقة/ فلسطين ورقة عرض فيها لتجربة حركة حماس في الحكم في فلسطين، حيث تناول جوانب مختلفة من تلك التجربة وألقى الضوء على أبرز معالمها بوصفها نموذجاً لتجارب حركات الإسلام السياسي في الحكم.

وخلص رزقة إلى أن انخراط حماس في تلك العملية السياسية المعقدة عائد إلى اعتقادها بموت اتفاقية أوسلو بحكم إجراءات الاحتلال وفشل تجربة حركة فتح، إضافةً إلى رغبتها في تقديم البديل والعودة بالبوصلة الفلسطينية نحو المقاومة والتحرير. كما ذهب إلى أن حركة حماس نجحت أحياناً في ربط العمل العسكري بأهداف سياسية واعتبارات معيارية، وأن التهدئة كفكرة مجردة تعد إحدى أدوات العمل السياسي والعسكري، لذا فإنه لا عيب بنيوي فيها، بل إنها تجمع في ذاتها بنيوياً بين الرؤية السياسية والرؤية العسكرية، وتتوافق مع فكرة تهديف أعمال المقاومة، ومع فكرة التحرير، ومع اعتبارات البيئة الإقليمية والدولية.

المحور الثاني: التحديات التي تواجه حركات الإسلام السياسي في الوطن العربي

    1. التحديات الذاتية لحركات الإسلام السياسي

      أ‌- المواءمة بين القيم الإسلامية ومتطلبات الحكم، والانتقال المفاجئ من الدعوة إلى العمل السياسي، مع المحافظة على العمل في مجال الدعوة دون أن يؤثر ذلك سلباً على العمل السياسي.

      ب‌- قدرة حركات الإسلام السياسي وفاعليتها في بناء الدولة وإعداد رجال الدولة وإدارة الحكم، خاصة مع نقص الكفاءات الخاصة بذلك، نتيجة المنع أو الموقف من أن يكونوا جزءاً من السلطة في مراحل سابقة.

       ت‌- ضعف التنشئة السياسية والثقافة الحزبية والديمقراطية لأعضائها.

      ث‌- بناء المرجعية الفكرية والبرامجية الموحدة للحركات على الصعيدين القطري والقومي، ومواجهة الانقسامات الداخلية إزاء ذلك.

      ج‌- إيلاء الإعلام أهميته اللازمة نظراً لمكانته في توجهات الرأي العام المحلي والعالمي، من خلال بناء رؤية إعلامية مشتركة تعزز حضور هذه الحركات وتوضح مواقفها من القضايا المطروحة أمامها.

      ح‌- تطوير البرنامج السياسي للحركات من برنامج فكري إلى برنامج تفصيلي واقعي قابل للتطبيق

    2. تحديات تواجه حركات الإسلام السياسي في علاقاتها مع الآخرين

      أ‌- مدى قدرة حركات الإسلام السياسي الحاكمة أو المشاركة في الحكم على صياغة منظور جديد للتعامل مع الأنظمة العربية الشقيقة يقوم على أساس الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدولة أخرى والمحافظة على الاستقلال الذاتي.

      ب‌- مدى قبول مبادئ الديمقراطية بما فيها من تعددية سياسية وتداول سلمي للسلطة وغيرها.

      ث‌- الموقف من النخب المستقلة والقوى السياسية الأخرى والقدرة على بناء التحالفات والأطر الوطنية في سبيل ضمان نجاح بناء الدولة العربية وتحقيق المصالح العامة.

     ج‌- استثمار طاقات شباب الأمة وتوظيفها في تحقيق المصلحة العامة وإحداث التغييرات المنشودة.

      ح‌- الموقف من القوى الإقليمية المؤثرة ودول الجوار مثل إيران وتركيا، ضمن معادلات دقيقة ومقاربات حكيمة، بعيداً عن الاحتواء أو الاستعداء أو الخصومة.

      خ‌- القدرة على بناء علاقة مع القوى الدولية تقوم على احترام تباين الثقافات والحضارات وبناء المصالح المشتركة على أساس المنافع المتبادلة والمتوازنة.

    3. المشروع الصهيوني كتحد رئيسٍ للمشروع الإسلامي

يرى تيار الإسلام السياسي أن المشروع الصهيوني معاد بالأساس، وأنه العقبة الكأداء أمام تقدم الأمة، ويرى أن إنهاء المشروع الصهيوني في المنطقة المتمثل بدولة إسرائيل يعد أولوية عربية لتحقيق الحرية والاستقلال والوحدة، ويرى أن إسرائيل لعبت دوراً وظيفياً في تفتيت الوطن العربي، وشكلت تهديدا له أثَّر على التنمية. وفي المقابل شكّل وصول الحركات الإسلامية للسلطة مأزقاً وتحدياً خطيراً لإسرائيل، ولذلك سعت إسرائيل بمساعدة حلفائها الدوليين إلى الحفاظ على معاهدات السلام الموقعة مع بعض الدول العربية.

ومن هنا يبرز التحدي الأكبر في هذا المجال بمدى ثبات حركات الإسلام السياسي على هذا الموقف والعمل على توظيف طاقاتها الحزبية والإدارية والرسمية الحكومية، مستفيدة بذلك من التوجهات الشعبية العربية المناصرة للقضية الفلسطينية، في مواجهة المشروع الصهيوني وفك ارتباطه وارتباط تحالفاته مع القوى العالمية الداعمة له، وكذلك التحدي بأن تتراجع هذه الحركات عن موقفها من خلال الرضوخ أو الرضى بأي من برامج التسوية مع هذا المشروع في مقايضة على التعامل معها والسماح بوصولها إلى الحكم.

    4. تحديات تواجه حركات الإسلام السياسي في تبني مشروع نهضوي عربي إسلامي وتفعيله

      - بناء مشروع نهضوي عربي إسلامي يوجه طاقات الأمة نحو الاستقلال والتنمية.

      - بناء منظومة سياسية وفكرية ومجتمعية تدعم التحرر من الاحتلال والهيمنة الأجنبية، وتؤكد على بناء الوحدة الوطنية.

      - صياغة مشروع سياسي معاصر متحصنٍ برؤية جديدة لنظام قومي عربي وإسلامي قوامه علاقة تحالفية تسهم في إعادة إنتاج توازن للقوى في المنطقة، ويمهد الطريق نحو عزة الأمة وريادتها.

      - بناء رؤية استراتيجية اقتصادية، والسعي لبلورة مشروعات تساهم في معالجة الأزمات الاقتصادية الداخلية وتعزز أطر تكامل الاقتصاد العربي والإسلامي أمام المنظمات الإقليمية والدولية والتحالفات الجديدة.

الجلسة الثالثة

ناقشت الجلسة الختامية من اليوم الأول، والتي ترأستها د. ديمة طهبوب/ الأردن، موضوع "حركات الإسلام السياسي، التحديات والعلاقات مع الآخر"، وقدم فيها د.عدنان أبو عامر/ فلسطين ورقة حملت عنوان المشروع الصهيوني بوصفه التحدي الرئيسي للمشروع الإسلامي، رأى فيها أن دوائر صنع القرار الإسرائيلي انشغلت بمناقشة التبعات السياسية لثورات الربيع العربي وتغيّر قواعد المعادلة السياسية مع تصدّر جماعة الإخوان المسلمين لمواقع صنع القرار في دول الربيع وخاصة مصر، وإظهار الثورات أنّ "سلام تل أبيب" هو في الواقع مع حكام المنطقة وليس شعوبها، وأن فكرة القومية العربية والإسلامية ما زالت حية، كما أظهرت أن الإخفاق الأمني والفشل الاستخباري الإسرائيلي في توّقع ثورات الربيع العربي، وانقسام الإسرائيليين حول آثار الربيع العربي على أمن إسرائيل، أفقدهم الثقة باستمرار الوضع الأمني على الحدود مع مصر، وزاد من منسوب الخوف من قوة الجيوش العربية، والقلق من انتقال الثورات إلى الأردن ومناطق السلطة الفلسطينية وتوّسع تهريب الأسلحة لغزة، والذعر من نتائج الفشل الاستخباري على الصعيد العسكري كانخفاض قوة الردع لدى إسرائيل، وزيادة الأنشطة المسلحة ضدها.

وذهب الباحث إلى أن الفكر الإسرائيلي تاه في بحثه عن احتمالات نتائج الثورات، ما أدى إلى تراكم الضغوط الدبلوماسية على إسرائيل، وزاد تخوّفها من مآلات اتساع نفوذ الإسلاميين؛ لذا فهي تسعى حالياً إلى تسويق "خطة مارشال لوقف المدّ الإسلامي"، مضيفاً بأن أجهزة المخابرات الإسرائيلية بلورت خطة لزرع عدد من الإسرائيليين في الدول العربية على شكل صحافيين ونشطاء دوليين لمتابعة تطورات الموقف السياسي، ودعم الثورات المضادة للربيع العربي.

ومن جهة ثانية، رأى د. أحمد سعيد نوفل/ الأردن في ورقته تحت عنوان رؤية حركات الإسلام السياسي للصراع العربي- الإسرائيلي أن ثورات الربيع العربي جددت الأمل بمشروع المقاومة، وجعلت الصراع بين المشروع العربي والمشروع الصهيوني في أوج مراحله، وأن الولايات المتحدة التي فاجأها اندلاع الثورات تعدّ ثاني الخاسرين من أحداث الربيع العربي، وهي تخشى من انتقال فكرة الثورة إلى دول أخرى، ومن وصول نظام جديد في مصر، ومن قدوم أنظمة جديدة في المنطقة تستند إلى الشرعية الشعبية بالإضافة للشرعية القانونية.

وأكد نوفل على أن العلاقة الصدامية بين حركات الإسلام السياسي والمشروع الصهيوني نشأت بسبب موقف الإسلاميين من احتلال اليهود لفلسطين، ودفاع الإسلاميين عن فلسطين بكل الوسائل المتاحة، وقد كان الطابع الديني غالب على النضال الفلسطيني منذ المؤتمر الذي عقد عام 1928 وحتى اليوم، وما زالت التنظيمات الإسلامية تحمل السلاح رغم تخلي تنظيمات أخرى عنه.

وخلص نوفل إلى أن الربيع العربي أسهم بإعادة تشكيل القوى السياسية الفاعلة والتي كانت ممنوعة من العمل، كحركات الإسلام السياسي، كما تبيّن أن القيادات الإسرائيلية بدأت تشعر بالقلق من صعود نجم الإخوان المسلمين في مصر، ومن تصريحات قيادات الإخوان الداعمة للفسطينيين والمؤيدة لقضاياهم وعدم التزام الحياد حيال القضية الفلسطينية، والحرص على رفع الحصار عن غزة، وانخفاض الحماس لتطبيق اتفاقية كامب ديفيد، والتعامل بجدية مع المصالحة الفلسطينية، وتصليب الموقف التفاوضي في مسار التسوية السلمية، وإضعاف التأثير الإسرائيلي والأمريكي في صناعة القرار العربي، وانفتاح الباب أمام المشروع النهضوي العربي الإسلامي، وتشكيل فضاء استراتيجي أكثر احتضاناً للمقاومة، وتفعيل البعد العربي والإسلامي للقضية الفلسطينية.

المحور الثالث: رؤى حركات الإسلام السياسي

كان لحركات الإسلام السياسي في الوطن العربي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، حضور تنظيري واضح في تحديد عناصر مشروعها السياسي وقضاياه وأطروحاته بشكل عام، مع قصور في بعض التفاصيل الخاصة بإدارة الدولة والحلول الاقتصادية نحو بناء دولة حديثة، رغم أن التجارب لم تسعف معظم تلك الحركات لتقديم نموذج في ذلك لأسباب عديدة.

وقد تمثل ذلك التنظير ببروز عدد من المشاريع والرؤى السياسية والاقتصادية المتنوعة في إدارة الدولة لدى الحركات الإسلامية في كل من الأردن ومصر واليمن وغيرها.

ولعل أبرز ملامح عناصر المشروع السياسي لحركات الإسلام السياسي وقضاياه وأطروحاته لدى هذه الحركات تتمثل في معالجة القضايا التالية، وتقديم حلول لها:

    1) تحقيق الإصلاح السياسي والدستوري وإطلاق الحريات العامة وخاصة حرية تكوين الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، وبناء مجتمع مدنى قوي وفعّال بتنمية وتعظيم مفرداته (الأحزاب – النقابات – الاتحادات – الجمعيات – الجماعات – الرأى العام .... إلخ)

    2) إقرار مبدأ تداول السلطة طبقًا للدستور الذي يقره الشعب بحرية وشفافية.

    3) نشر وتعميق الأخلاق والقيم والمفاهيم الحقيقية لمبادئ الإسلام كمنهج تعامل في حياة الأفراد والمجتمعات، وصلاحيتها على المستوى الإنساني العام، وبناء الإنسان بناءً متكاملاً روحياً وثقافياً وعقلياً وبدنياً بما يحفظ عليه هويته وانتماءه وكرامته، وينمّي قدرته على المبادرة والإيجابية والإنتاج.

    4) بناء دولة المؤسسات التي تعتبر سيادة القانون عنوان الحياة الإنسانية المتحضرة الرشيدة، مع المحافظة على الدولة والدستور الجيش والتعددية ووحدة الجماعة الوطنية.

    5) النهوض بالاقتصاد الوطني بإحداث عملية تنمية اقتصادية متوازنة ومستدامة وشاملة، وتوفير الحياة الكريمة للمواطن وتأمين الاحتياجات والخدمات الأساسية له (المأكل- الملبس- المسكن- الصحة- التعليم- وسائل الانتقال-– سبل الترفيه والترويح عن النفس).

    6) الارتقاء والاعتناء بالتعليم والبحث العلمى باعتباره أحد أهم الوسائل فى بناء المواطن والوطن والنهوض بالاقتصاد والتنمية.

    7) الاهتمام بقطاع الشباب بالعمل على حل مشكلاته وإكسابه الخبرة وتوظيف طاقاته التوظيف الأمثل وإشراكه فى إدارة شئون الدولة.

    8) تعزيز الأمن القومي ببناء وتطوير القوة الشاملة للدولة في النواحي السياسية والاقتصادية، والعسكرية والاجتماعية والثقافية، بما يؤهلها للقيام بأدوار فاعلة على المستويين الإقليمي والدولي، وفق الهوية الحضارية، واستجابة لما تفرضه التطورات الدولية من تحديات.

    9) بناء نسقٍ من العلاقات الإقليمية والدولية يُحقق التواصل الإنساني بين الشعوب بعيداً عن كل أشكال الهيمنة، ويحقق تفاعل الحضارات وتكاملها لصالح البشرية.

    10) اعتبار القضية الفلسطينية قضية مبدأ وعقيدة وقدسية، وأنها القضية المركزية للأمتين العربية والإسلامية، وإيلاء القدس الأهمية المطلوبة في ذلك، وأن برنامج المقاومة ومشروعها هو الضامن الحقيقي لاسترداد الحقوق ودحر الاحتلال.

الجلسة الرابعة:

بحثت الجلسة الرابعة من المؤتمر في اليوم الثاني، والتي ترأسها أ. أحمد عبيدات/ الأردن، موضوع "رؤى حركات الإسلام السياسي في بناء الدولة والمجتمع والعلاقة مع الآخر"، وقُدِّمت خلالها ورقتان، حمل أولها عنوان "المشروع السياسي لحركات الإسلام السياسي: عناصره، قضاياه، أطروحاته" قدمها د.جمال نصار/ مصر، أكد فيها أن رؤية الإخوان المسلمين للدولة -كما تظهر في برنامج حزب الحرية والعدالة- اعتمدت على أسس مهمة وهي أنها دولة مدنية دستورية تقوم على مبدأ المواطنة ومبدأ الشورى (الديمقراطية)، أما أبرز قضايا وأطروحات المشروع فهي: ضمان الحرية لجميع المواطنين، والمساواة وتكافؤ الفرص، والتعددية السياسية، والشراكة بين الدولة ومنظمات المجتمع الأهلى، وحياد جهاز الإدارة العامة، ولا مركزية الحكم المحلي، وحرية تداول البيانات والمعلومات، والمساءلة والمحاسبة، والانتخابات الحرة النزيهة.

وخلص نصار إلى أن أموراً عديدة على صعيد الممارسة ساهمت في إخفاق تجربة تجربة الإخوان في حكم مصر في فترة وجيزة، ومن أبرزها: سوء اختيار القيادات في المواقع المختلفة للدولة، وعدم وضوح الرؤية في التعامل مع القوى السياسية الأخرى، والصدام المبكر مع مؤسسات الدولة دون الاستعداد لذلك، وعدم الوصول إلي مطالب وطموحات الجماهير وإبعاد عموم الشعب المصري عن معرفة التحديات التي تواجه الدولة، وعدم الاستفادة من طاقات الشباب الثوري في التعاطي مع مؤسسات الدولة والتعمّد في بعض الأحيان إبعادهم وتهميشهم مما أحدث خللاً بين الإخوان والثوريين، والتعامل مع التحديات الخارجية للدولة المصرية دون المستوى المطلوب.

ومن جانبه انطلق د. محمود عاكف/ مصر في الورقة الثانية "الحركات الإسلامية والخيار الحضاري والتنموي" من إشكالات التنمية في الغرب ونقد الكثير من المفكرين الاقتصاديين العرب لبعض مفاهيم ونظريات التنمية الغربية وتحذيرهم من التعاطي معها دون النظر في خلفياتها الفلسفية والأيديولوجية، ليتناول تجارب التنمية في العالم العربي والإسلامي بعد قراءة في الواقع التنموي المحيط بهذه التجارب، ووضع اليد على التخلف الحضاري لهذه البيئة.

وطرح عاكف بناءً على ما تقدم رؤيةً حضارية للتعامل مع مشكلة التخلف تستند إلى فلسفة إسلامية خالصة تعود في تأصيلها إلى مصادر التشريع الإسلامي وتقد مشروع نهضة للأمة تتلخص عناصره في الإنسان والتنمية ولأمة والشركاء في الأرض، وفصّل الحديث في تلك العناصر وبيّن العلاقة بين كل منها، حيث اعتبر الإنسان غاية ووسيلة النهضة، موضحاً أن الحركات الإسلامية قد نجحت في بناء الفرد والأسرة المسلمة إلا أنها بحاجة إلى بناء ثالث مستويات الإنسان (المجتمع).

وخلص عاكف إلى جملة معايير ومؤشرات قياس للتنمية، ومن أبرزها: ضرورة ضبط المعيار أو المؤشر بقيم الإسلام، وتقديم معالجة الأزمات الحالية على فتح أبواب جديدة للتنمية، وتحقيق التوازن الزماني والمكاني للمعايير والمؤشرات، وضبط العلاقة بين الكم والكيف، وضبط العلاقة بين الوسائل والغايات.

المحور الرابع: الفرص وآفاق المستقبل

بدا واضحاً من خلال التجربة والرؤى المستقبلية أن المرحلة الحالية تمثل فترة انتقالية بكل دلالاتها لحركات الإسلام السياسي وأنها تتطلب منها التقييم المستمر والتعديل اللازم لمسارها خلال هذه الفترة من أجل أن تكون عاملاً فاعلاً وبناء في المشهد السياسي العربي القادم في ضوء نتائج الربيع العربي وتداعياته الإيجابية على المنطقة.

ويمكن صياغة الآفاق المستقبلية لحركات الإسلام السياسي من خلال عدة سيناريوهات مختلفة، تتراوح بين سيناريو متشائم يقوم على تعثر الربيع العربي والعودة إلى الماضي، وسيناريو ثانٍ يقوم على بقاء الوضع على ما هو عليه على المدى المنظور، وسيناريو آخر متفائل يرى إمكانية أداء الحركات الإسلامية لدور أكثر فاعلية. مع الإشارة إلى أن تحليل أي من السيناريوهات السابقة يتطلب دراسة البيئة التي ينشأ فيها كل سيناريو، وكذلك دراسة العوامل المؤثرة فيه تقدماً أو تراجعاً.

الجلسة الخامسة:

أما الجلسة الخامسة التي ترأسها أ. فهمي هويدي/ مصر، فتناولت "فرص حركات الإسلام السياسي في التعامل مع المشاريع الفاعلة في المنطقة العربية"، وقدم فيها د. أنس التكريتي/العراق ورقة حملت عنوان "فرص التعايش بين المشروع الغربي والمشروع السياسي الإسلامي في المنطقة العربية" عرض فيها لأبرز محاولات الغرب في الحصول على دور في الأحداث المتسارعة والتغيير الجذري الحاصل للمنطقة العربية، والسعي لإدارتها بعد تقدّم الإسلاميين في الانتخابات على نظرائهم في دول الربيع العربي، والفتور الواضح في قبول وصول الإسلاميين للحكم، والتشكيك في توّجهات الحكومات الإسلامية والسعي لتصيّد أخطاء الإسلاميين وزلاتهم، كما يشير الباحث إلى انشغال الحركات الإسلامية بالتحديات الداخلية عن العناية بالعلاقة مع الغرب، وتكريس النظرة السلبية لدى الإسلاميين تجاه الغرب، نتيجة الطروحات السلبية للغرب تجاههم، وظهور هذا التوّجه من خلال المؤتمرات والتصريحات التي كان يطلقها المسؤولون حول أحداث المنطقة وإدارة الإسلاميين لها.

كما أشار التكريتي إلى أن أماكن ودوائر التأثير في القرار بدأت تتمركز محلياً بعد أحداث الربيع العربي، وأن العلاقة بين الغرب والإسلام السياسي متأزمة، وأن الحركة الإسلامية لم تستقر على قرار استراتيجي وتوّجه ثابت إزاء مفاهيم تتعلق بالديمقراطية والحريات وحقوق المرأة وغيرها، الأمر الذي استثمره الغرب لتجيير المسار لصالح مواقفه، وأن الغرب يعاني من أزمة تشخيص الذات بعد نشوء الأزمة الاقتصادية عام 2008.

ويخلص التكريتي إلى أن أي تصالح بين الغرب والإسلام السياسي يعتمد على المصالح المشتركة، ومدى التفاعل بين المؤسسسات المختلفة وإزالتها العقبات بين المشروعين ومد جسور الثقة بين الطرفين، وإقامة شبكات من المؤسسات عربية الهوى في مواقع مؤثرة في العالم الغربي لتمثيل الخطاب الإسلامي والتأثير على دوائر القرار فيها، وتطوير خطاب جديد فيها، وفتح علاقات جديدة لتحقيق المصالح المشتركة، والتفاعل مع التحالفات الجديدة من منظر براغماتي بدلاً من الأيدلوجي، وتكريس إنتاج الدراسات والبحوث التي ترتقي إلى المعايير الأكاديمية وتعبّر عن واقع المجتمعات العربية والإسلامية للغرب.

من جانبه ذهب د. خالد أبو الحسن/ مصر في ورقته التي حملت عنوان "فرص المشروع السياسي الإسلامي في السياق الإقليمي التركي والإيراني" بأنه ليس من اليسير أن تتفق كل من تركيا وإيران على رعاية مصالح المشروع الإسلامي، وذلك بسبب الاختلاف المذهبي الكبير الذي يفتح المجال للصدام المباشر، علماً بأن هذا الاختلاف يفتح مجالاً أمام الولايات المتحدة الأمريكية لاستغلال الموقف وتعزيز نفوذها في المنطقة؛ كما يفتح المجال أيضاً أمام إسرائيل للحصول على مكاسب استراتيجية أكبر في المنطقة.

وخلص الحسن إلى أن المسألة السورية باتت هي سر نجاح أو فشل المشروع السياسي الإسلامي؛ فنجاح الثورة السورية يعني هيمنة النفوذ التركي وقلق الكيان الإسرائيلي وتراجع الهيمنة الإيرانية وتلاشي سطوتها في العراق؛ وهو طمأنة للطرف الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية؛ وهو كذلك ما سيؤدي إلى توتر صيني روسي تجاه قضية نفوذهما في الشرق الأوسط؛ وفي نفس الوقت فإن الأمر ليس مرضياً للولايات المتحدة الأمريكية لأنه سوف يمثل تهديداً للأمن الإسرائيلي.

بينما أجمل د. صبري سُميرة/ الأردن في وقته تحت عنوان "ملامح مشروع عربي إسلامي لمواجهة المشروع الصهيوني، ودعم الشعب الفلسطيني ومقاومته للاحتلال" العناصر الرئيسة لمشروع الحركة الإسلامية العربي الإسلامي بالآتي: التمسك بأن كل فلسطين التاريخية هي وطن وحق للشعب الفلسطيني ولا تنازل عن أي شبر منها تحت أي ظرف وهي أرض عربية إسلامية، والتمسك بأن الاحتلال الإسرائيلي باطل وما نتج عنه باطل، وأن تحرير فلسطين واجب وطني وقومي وشرعي، وهو مسؤولية الشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية، وهو أيضاً مسؤولية إنسانية وفق مقتضيات الحق والعدل، والتمسك بأن الجهاد والمقاومة المسلحة هي الوسيلة الأساسية لتحرير فلسطين، واستعادة كافة الحقوق، ومعها بالطبع كل أشكال النضال السياسي والدبلوماسي والإعلامي والجماهيري والقانوني؛ مع ضرورة حشد كلّ طاقات الأمة في معركتها مع المشروع الصهيوني، والتمسك الكامل بحقوق اللاجئين والنازحين وعودتهم وذرياتهم إلى كل فلسطين، والتمسك بكامل القدس ورفض كل مشاريع التوطين والوطن البديل والتهويد والإستيطان، ورفض فصل غزة عن الضفة، والتمسك الكامل بوحدة الشعب الفلسطيني وقواه، ووحدة النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته، ووحدة مرجعيته الوطنية من خلال منظمة التحرير الفلسطينية، التي يلزم إعادة بنائها على أسس صحيحة، والتمسك بمنهجية التحرير أولاً ثم الدولة، والتمسك بحق ممارسة القرار الوطني الفلسطيني المستقل دون أن يؤدي ذلك إلى حصر القضية الفلسطينية في الشعب الفلسطيني، والسعي الدائم إلى بناء النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته ومرجعياته الوطنية على أسس ديمقراطية متكافئة الفرص، والتمسك بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وعدم الدخول في محاور ونزاعات بين الدول والإنفتاح على مختلف دول العالم، ورفض التبعية لأي دولة، والتمسك بوحدة الأمة بكل مكوناتها وتغليب صالحها العام على أية مصالح فئوية أو حزبية، والإقرار بواقع التعدد والتنوع فيها وأهمية التعايش بين مكوناتها ورفض إثارة النعرات والخلافات والاصطفافات على أساسها أو التعدي على الآخرين.

كما أوضح سُميْرة بأن الحركة الإسلامية ترى أنه لمواجهة جملة التحديات والإشكالات أمام الربيع العربي والتي تؤثر على مشروعها العربي الإسلامي بضرورة أن توازن الدول العربية بين أولويات الهم الوطني الداخلي وأولويات الأمة، وضرورة تجنب إدارة المرحلة الراهنة الكبيرة في تاريخ الأمة من الموقع القُطْري الصغير المنفرد، بل في إطار أوسع للأمة العربية والإسلامية بتعاون وتكامل. وأن هذا يخدم الهموم والمصالح والملفات القُطْرية الداخلية نفسها؛ وضرورة ألا تدار العلاقة مع الغرب والدول الكبرى على حساب القضية الفلسطينية ودور العرب فيها ومسؤولياتهم تجاهها وإن شرعية الأنظمة العربية نابعة من إرادة شعوبهم –النصيرة لفلسطين- وليس من الدعم الخارجي، وإن التصدي للقضايا الكبرى يقوي دول الربيع العربي ولا يضعفها.

وختم سميرة بأن الحركة الإسلامية ترى ضرورة رفع سقف الموقف العربي، والجامعة العربية، وسقف كل دولة كذلك في الموقف السياسي وخاصة في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، وضرورة إعادة النظر ومراجعة الاستراتيجية العربية القائمة، وأنه إذا لم تكن هناك حروب جيوش رسمية، فلتدعم الأمة على الأقل خيار المقاومة وأن تترك مبادرات التسوية وتسعى لإمتلاك أوراق قوّة حقيقية، وأن تكون خيارات الأمة مفتوحة، وتأمل الحركة الإسلامية في ربيعها العربي أن تكون موحدة كأمة، وموحدة على فلسطين، وأن تبني جبهتها الداخلية بما يحقق مصلحة شعوبها.

الجلسة السادسة:

جاءت الجلسة السادسة تحت عنوان "فرص حركات الإسلام السياسي ما بعد الثورات العربية"، وترأسها د. عزت جرادات/ الأردن، وقدم فيها د. أحمد الأبيض/ تونس ورقة حول فرص حركات الإسلام السياسي وآفاق المستقبل في ضوء واقع الثورات والحراكات الإصلاحية العربية (النموذج التونسي) ودعا في مطلعها إلى إعادة النظر في بعض المفاهيم والمبادئ الأساسية التي تشكل البنية الفكرية وخطاب حركات الإسلام السياسي الفاعلة على اختلافها على الساحة العربية والإسلامية اليوم، داعياً إلى قراءة مختلفةٍ للنصوص والموروث الحضاري لتلك الحركات وللإسلام بشكل عام، على أساس اعتبار أن ذلك الموروث يملك الكثير من نقاط التقاطع والتلاقي مع الديمقراطية والمدنية الغربية بشكلها الحديث، وبالرغم من وجود استثناءات إلا أن الباحث أكد على انفتاح كبرى الحركات الإسلامية على تلك الدعوات.

ولفت الأبيض إلى الثغرات التي لابد من تغطيتها في سبيل تحقيق أهداف الربيع العربي، من ثغرات فكرية وبشرية وسياسية واستراتيجية ومجتمعية وبنيوية، إضافةً إلى ثغرة العلاقات الدولية، كما حدد أبرز مهام الإسلاميين على الساحة السياسية ضمن الأفق المنظور، والتي تتصدرها مهمة تثبيت النهج التشاركي وتوسيع قاعدته، وتأمين الوصول إلى انتخابات شفافة، وحماية المسار الانتقالي، وإيجاد القيادة التنفيذية السياسية المقتدرة، وإجراء التعديلات على الهيكلية التنظيمية، وتقويتها بما يخدم أهداف المرحلة، والانفتاح على القدرات الوطنية، وترسيخ حكم القانون وبسط الأمن ومحاربة الفساد، وتدعيم الاقتصاد، والتأكيد على الشرعية، وتوطيد العلاقات السياسية والاقتصادية مع الدول العربية والعلاقات الدولية بشكل عام، وتأكيد وطنية المشروع الإسلامي.

وبدوره أشار د. ونيس المبروك/ ليبيا في ورقته بشأن فرص حركات الإسلام السياسي وآفاق المستقبل في ضوء واقع الثورات والحراكات الإصلاحية العربية (النموذج الليبي) إلى أن أن الحركة الإسلامية في ليبيا تلقت نصيباً كبيراً من القمع والتضييق، بسبب القبضة الأمنية المحكمة التي كان يستعملها النظام ضد الإسلاميين، مما أفرز شريحة واسعة تعودت على التخفي وتمرست على الانصياع التنظيمي، وانتهجت نهجا دعوياً غلّب الاختيار والتكوين على العمل العام والانتشار، والمغالبة والتعبئة على المشاركة والمقاربة، والماضوية على التجديد، والانكفاء على الانفتاح.

ورأى المبروك أنه مازال لدى الحركة الإسلامية كثيراً مما تقدمه، ولكن عليها أن تعلم أنها ستجد نفسها مرغمة على تخفيف حمولة خطابها القيمي والأيدلوجي، لحساب خطابها الجماهيري السياسي، وتوقع المبروك أن تقود الممارسة السياسية والمواجهة مع الدولة العميقة الحركة الإسلامية إلى تبني وتقديم معايير الكفاءة والوطنية على معايير الولاء الفكري والإيدلوجي، وإلى اتسام سياساتها مع المخالفين بنوع من البراجماتية ولغة التدرج، والموازنات مع الشريك الجديد في قيادة الوطن.

بينما عرض د. جمال عبد الستار/ مصر ورقة حول فرص حركات الإسلام السياسي وآفاق المستقبل أمامها في ضوء واقع الثورات والحراكات الإصلاحية العربية (النموذج المصري) أكد فيها أن المواجهة في مصر تدور بين مشروع للحضارة والريادة والحرية، ومشروع للتخلف والتبعية والاستعباد.

ورأى عبد الستار أن منطلقات النجاح في الخروج من الأزمة هي إدراك أن الحرية هي البيئة الوحيدة لنجاح الرسالات وحملها على حقيقتها. كما عدّد الباحث من منطلقات النجاح استثمار كل الطاقات والإفادة من كل الإمكانات، واحترافية الدعوة واستقلالية السياسة، وتمكين المرأة والشباب من إدار ة المشاهد وصناعة الحياة، وعدم الاستئثار بالحق المطلق، والإفادة من التجارب العلمية والخبرة الحقيقية، وتحديد نقاط القوة والضعف وتعظيم الإيجابيات والتخلي بشجاعة عن السلبيات، وإعادة صياغة السياسة الشرعية بما يتلائم وطبيعة العصر الذي نحياه، ورسم خطة علمية للنجاح واضحة المعالم وعدم الاكتفاء بمعرفة خطة الخصم، وإيجاد آلة إعلامية محترفة تحسن مخاطبة المخالف قبل الموافق.

الجلسة السابعة:

بحثت الجلسة السابعة من المؤتمر، والتي ترأسها د. علي محافظة/ الأردن، موضوع "فرص حركات الإسلام السياسي وآفاق المستقبل"، وقُدِّمت خلالها ثلاثة أوراق، قدّم أولها أ. زكي بني ارشيد/ الأردن تحت عنوان فرص حركات الإسلام السياسي وآفاق المستقبل في ضوء واقع الثورات والحراكات الإصلاحية العربية (النموذج الأردني)، أوضح فيها أن محور النزاع الحقيقي بين القوى المتصارعة هو إجهاض حالة الوعي التي وصلت لها شعوب المنطقة، وأن الحركة الإسلامية تؤمن بضرورة إدارة المرحلة الانتقالية بالمشاركة الحقيقية الفاعلة، وتنطلق في تقديرها للموقف من خصوصية الجغرافيا السياسية للأردن، كما تعتبر أن العقبة الأساسية في مسار الإصلاح السياسي هو التزام السياسة الرسمية ببنود اتفاقية وادي عربة مع الدولة العبرية.

وخلص بني ارشيد إلى أن الحركة ترى أن الوضع الاستثنائي الذي تمر به المنطقة عموماً هو سحابة الصيف المنقشعة وإحدى جولات الثورة المضادة التي تتفاعل مع ردات الفعل وغير قادرة على تحقيق الاستقرار والسيطرة على الأوضاع في المدى المتوسط والبعيد، وأن استكمال التحول الديمقراطي هو النتيجة الطبيعة لمرحلة التدافع مهما طال الزمن أو تعثر المسار، وعليه فإن المستقبل القادم الذي ترسمه الحركة في أدبياتها سيكتمل وفقاً لصالح الإرادات الشعبية وإحداث التغيير والإصلاح المنشود.

ومن جهته تناول د. أبو زيد المقرئ الإدريسي/ المغرب، فرص حركات الإسلام السياسي وآفاق المستقبل في ضوء واقع الثورات والحراكات الإصلاحية العربية (النموذج المغربي) من خلال الورقة الثانية التي عرض فيها تطور الحركة الإسلامية بالمغرب من الراديكالية والسرية والنزعة الصدامية إلى الاعتدال والعلنية والانفتاح على المجتمع ثم المشاركة السياسية واعتماد نظام التخصصات التي أصبحت موازية للتنظيم العام، والارتكاز على هدف "إقامة الدين" في مختلف المجالات عوض التمحور حول الهدف التقليدي "إقامة الدولة".

ورأى الإدريسي أن أهم المحددات المؤثرة في مسار تجربة الإسلاميين المغاربة في الحكم، هي: القوى المضادة للإصلاح والدولة العميقة، ومستوى تعقد ودموية التغيير في سوريا، ومدى نجاح الانقلاب العسكري في مصر، ومدى ممانعة المحيط الإقليمي، وانتعاش الثورة المضادة في دول الربيع العربي، وحجم تدخل الفاعل الخارجي، ومدى نجاح تجارب الإسلاميين في المنطقة، وطبيعة السلوك السياسي للفاعل الحزبي وقدرته على بناء الكتلة الديمقراطية الجامعة، وحجم الإنجاز التنموي والقدرة على تجذير الشرعية الديمقراطية الضامنة للحرية والكرامة، ومدى استمرارية الأفق الإصلاحي للملكية وامتدادته، ومدى استمرار التوافق وتلاقي الإرادة الإصلاحية بين مختلف الشركاء.

ووضع الإدريسي ثلاثة سيناريوهات لمستقبل الانتقال الديمقراطي في المغرب: تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي يرسى قواعد نظام سياسي مفتوح وديمقراطية تداولية وعدالة اجتماعية وقضاء مستقل ونزيه، أو الانتقال نحو ديمقراطية هشة قابلة للانفجار بدون قواعد واضحة ومؤسسات متجذرة، أو حدوث انتكاسة ديمقراطية ترتكز على تمييع المشهد السياسي استناداً إلى فاعلين حزبيين أو على انتعاش القوى المضادة والحزب السلطوي، وقد يتجلى ذلك في شكل انقلاب ناعم على حكومة الإسلاميين عن طريق أدوات الحصار والإفشال. وفيما يتصل بمستقبل حركات الإسلام السياسي في ضوء التحديات والفرص، قدّم د. ناصر الطويل/ اليمن ورقة عرض فيها الفرص التي أوجدها الربيع العربي، والمتمثلة بكسر حالة الجمود والانسداد التي هيمنت على المنطقة العربية، وحفزت الحركات الإسلامية على استكمال مشاريعها السياسية، وأظهرت مواقفها من الديمقراطية والانتخابات، وفتحت النوافذ للتواصل بين الإسلاميين، وأبانت عن نقاط الضعف التي يعاني منها المشروع الإسلامي.

كما عرض الطويل التحديات الناتجة عن تعمق الانقسامات السياسية والفكرية، والتحوّلات السالبة، والمقاومة التي تبذلها القوى المناهضة للتغيير، وحالة الضعف التي تعاني منها الدول في البلدان العربي، بالإضافة للتحديات الأمنية والاقتصادية، وموقف بعض دول الإقليم المناهض للأحزاب ذات المرجعية الإسلامية.

وعدد الطويل العوامل التي سيتحدد على ضوئها توّقع الخيارات المستقبلية، وأبرزها: مآل الربيع العربي، وموقف القوى الإقليمية والدولية من الثورات والإسلاميين، والأفق الذي ستصل إليه المشاريع المنافسة كمشروع العسكر والعلمانيين، ومشروع الجماعات الشيعية المنافسة، والمشروع الثالث الذي يمثل الهويات المحلية الاجتماعية والسياسية والثقافية.

وخلص الطويل إلى وجود ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل حركات الإسلام السياسي: سيناريو متفائل يفترض أن ثورات الربيع العربي ستحقق التغيير السياسي الذي يحقق الحد الأدنى من مطالب حركات الإسلام السياسي، ويتوّقع تراجع الضغوط التي تمارسها بعض دول الخليج، وأن هذه الحركات ستظل جزءاً من المنظومة الحاكمة، وسيناريو متشائم يأخذ في الاعتبار الحد الأقصى من التطوّرات السلبية، ويفترض تعثر الثورات، واستمرار إقصاء حركات الإسلام السياسي، وتعزز الانقسامات المجتمعية، وسيناريو واقعي يتوّقع استمرار التحديات التي تواجه الإسلاميين في مصر، وتجاوز اليمن وتونس للتحديات السياسية، وبقاء التحديات في ليبيا.

الكلمة الختامية:

أكدت الكلمة الختامية التي ألقاها الأستاذ جواد الحمد- مدير مركز دراسات الشرق الأوسط على أن المنطقة العربية تمر بمرحلة تحول ديمقراطي تاريخية طويلة تشهد تدافعاً قوياً بين قوى التغيير والإصلاح من جهة، وقوى الثورة المضادة من جهة أخرى، حيث تبدو الأخيرة غير قادرة على تحقيق الاستقرار والسيطرة على الأوضاع في المدى المتوسط والبعيد، وهو ما يؤكد أن استكمال التحول الديمقراطي هو النتيجة الطبيعية لمرحلة التدافع حتى لو تعثر المسار في بداياته، وأن المستقبل القادم سيكتمل لصالح الإرادة الشعبية وإحداث التغيير والإصلاح المنشود وبمشاركة فاعلة من كل قوى المجتمع ومن بينها حركات الإسلام السياسي.

وفيما يتعلق بالفرص والآفاق فقد أكّد كثير من المشاركين على أن حركات الإسلام السياسي جزء أساسي من المشهد العربي، وهي جزء حقيقي ومستمر في المستقبل كما كانت في الماضي. وعلى هذه القاعدة أشارت الكلملة الختامية إلى مقترحات تضمنتها الأوراق ونقاشات المشاركين، ومن أبرزها:

   • دعوة حركات الإسلام السياسي إلى تقديم رؤى سياسية وفكرية تؤكد مبادئها ومواقفها وبرامجها في المشاركة السياسية والتزامها بالسلمية والوسطية.

   • دعوة هذه الحركات إلى تقييم التجارب وأخذ العبرة منها، على المستوى الذاتي الداخلي، وعلى مستوى العلاقات مع الإطار السياسي والمجتمعي المحلي والعربي.

   • دعوة هذه الحركات إلى النظر في العلاقة بين مختلف وظائفها بما يضمن التمييز المؤسسي بين الوظيفة الدعوية والوظيفة السياسية الحزبية لضمان فاعلية سياسية أكبر وتأثير دعوي أوسع.

   • التأكيد على أهمية بلورة رؤية حركات الإسلام السياسي في التعامل مع المشاريع الفاعلة في المنطقة (الدولية، والإقليمية- إيران وتركيا وإسرائيل) بما يحقق مصالح للمشروع العربي- الإسلامي وقدرته على بناء أوطانه وتنميتها وإنهاء الاحتلال لفلسطين.

   • الدعوة إلى تحويل شعار "الإسلام هو الحل" إلى نماذج سياسية واقتصادية وإدارية وتنموية شاملة.

   • الدعوة لامتلاك مقومات إدارة الدولة في الكوادر والوسائل والأدوات لحركات الإسلام السياسي.

   • دعوة حركات الإسلام السياسي إلى تقديم التطمينات اللازمة للأطراف الداخلية والخارجية على حد سواء، ودعوتها إلى تقديم نموذج في إدارة الاختلاف بين القوى السياسية الحاكمة والمعارضة في الدولة سواءً كانوا في الحكم أو المعارضة.

   • دعوة حركات الإسلام السياسي إلى العمل على بناء الجماعة الوطنية التي تواجه التحديات الداخلية والخارجية بشكل مشترك والتي تضم كل القوى بغض النظر عن خلافاتها.

   • دعوة القوى السياسية الأخرى إلى التعاون مع حركات الإسلام السياسي عند وصولها إلى البرلمانات أو قيادة الدولة لما فيه المصلحة العامة للدولة والمجتمع، واللجوء إلى التنافس السياسي بقواعده وضوابطه الأخلاقية المعروفة.

   • دعوة القوى السياسية العربية جميعاً وبخاصة القومية والإسلامية منها إلى توحيد الرؤى والتوجهات نحو بناء دول ومجتمعات ديمقراطية مستقرة تحقق للأمة طموحها وآمالها.

   • دعوة الدول العربية إلى نبذ الحل الأمني في التعامل مع حركات الإسلام السياسي والاعتراف بدورها ووجودها، والسعي لإدماجها في العملية السياسية في الدولة.

   • الدعوة للابتعاد عن الصراع الطائفي، وتكريس منهج الوحدة الوطنية والتوحد العربي القومي.

   • الدعوة إلى رفض أساليب العنف والتكفير والإرهاب ونشر الطائفية كسبيل للتغيير والإصلاح في الوطن العربي، وتأكيد أن العمل السياسي بكل أشكاله وتوفير أجواء الديمقراطية هو السبيل الأمثل لتحقيق نقلة نوعية في النظام السياسي العربي نحو الحرية والعدالة والتنمية والاستقلال.

    • دعوة حركات الإسلام السياسي التي تشارك في السلطة التنفيذية والحكم إلى أن تُبقي موقفها الاستراتيجي إزاء الصراع العربي-الإسرائيلي والقائم على دعم مقاومة الشعب الفلسطيني وكفاحه حتى تحرير فلسطين وعدم الانجرار وراء إغراءات العلاقة مع الغرب على حساب ذلك، لأن قوة موقفها هذا تشكل لها ثقلاًً سياسياً إقليمياً ودولياً يخدم برنامجها، كما أن المشروع الصهيوني يُعدّ التحدي الأكبر لنجاح مشروعها الإسلامي-العربي.

    • الدعوة إلى القيام بمزيد من الدراسات للفكر السياسي لحركات الإسلامي السياسي وممارساتها وتوجهاتها وتجاربها في الوطن العربي لمصلحة المجتمع والاستقرار والتنمية الاقتصادية ولمزيد من التفاعل السياسي داخل الوطن العربي على قواعد الديمقراطية والتعددية.